فتح مهددة بالتصفية
والساحة مقدمة على فراغ غير مسبوق!
د. أكرم حجازي
31 / 7 / 2007
حين كان رئيسا للجنة الخارجة والأمن في الكنيست صرح أبا إيبان أحد دهاقنة الصهاينة المؤسسين تعقيبا منه على اختراق حركة فتح: " نعم ، لقد نجحنا في احتلال القلعة من الداخل"! أما فتح فكانت في ذلك الحين تدشن مشروع السلطة الفلسطينية وتعيش نشواته الأولى، فلم ينتبه أحد للتصريح غير بعض من الذين عارضوا اتفاق المبادئ بين إسرائيل ومنظمة التحرير.
منذ الإعلان عن الاتفاق اشترطت إسرائيل على الرئيس الفلسطيني الراحل تأسيس جهاز الأمن الوقائي كضمانة لأمن إسرائيل، وفرضت تعيين جبريل الرجوب على رأس الجهاز في الضفة ومحمد دحلان في غزة وإلا فلا سلطة ولا اتفاق، ومنذ ذلك الحين بدأت تظهر فتح جديدة ليس لها علاقة بحركة فتح إلا بالاسم. وكلما تقدمت فتح الجديدة، حاملة معها مواصفات تجنيد الأمن المركزي المصري، أو عبر صغار السن والمتسلقين والمتملقين والعملاء والمنافقين كلما تراجعت فتح الأصيلة عن التقدم خطوة واحدة استبعادا وتهميشا وتحقيرا إلى أن انزوت بالكامل عن ساحة الحدث الفلسطيني، وبطبيعة الحال انزوى الرموز من القيادات والقدماء وكبار الكوادر والمناضلين مثلما صعد رموز آخرين أحسب أن أحدا لم يسمع بأغلبيتهم الساحقة قبل ذلك.
فتح القديمة إذن لم يعد يسمع برموزها ومناضليها أحد، ونشاطاتهم تكاد تكون معدومة إلا من زواريب الإدارات حيث يقبعون، في أحسن الحالات، خلف الطاولات يقضون أيامهم بالعمل الإداري، من البيت إلى العمل والعكس صحيح، لا يلوون على شيء إلا السلامة الشخصية والنجاة من التقاعد أو الإقالة خشية على أطفالهم ولقمة عيشهم التي باتت مهددة بمراسيم العقوبات الرئاسية بسبب التقاعس أو التقصير أو التطاول على أولي الأمر منهم أو معارضة السياسات الرئاسية الساعية إلى تصفية إرث الرئيس الراحل. وفي الحقيقة نتحدث ليس عن صغار الضباط أو الإداريين بل حتى عن مناضلين من ذوي الوزن الثقيل منهم ومن الرتب العالية التي لم تعد ذات تأثير يذكر. ولكن إذا كان هؤلاء هم من يُعبَّر عنهم حينا بفتح المغتصبة أو فتح المخطوفة، ولا فرق، فمن هم الغاصبون أو الخاطفون؟
إنهم شخصيات أخرى من فتح والمنظمة ظلت في الواجهة بعد أن اتهمت بالانحياز الصريح والعلني إلى المشروع الأمريكي الصهيوني على حساب قضيتها أمثال نبيل عمرو وصائب عريقات وروحي فتوح ومحمد دحلان وجبريل الرجوب ورشيد أبو شباك وسمير المشهراوي والطيراوي وقدورة فارس وأبو علي شاهين وغيرهم ممن تطول بذكرهم وتصنيفهم قوائم الاتهام، وهم ذاتهم من سبق وأن تحدوا سلطة عرفات وهو على قيد الحياة. لكن واحدا من أخطرهم هو ياسر عبد ربه عرّاب اتفاقية جنيف سيئة الذكر والتي نوقشت في أحد فنادق البحر الميت واستضافت مدينة جنيف السويسرية التوقيع عليها مع يوسي بيلين عن الجانب الإسرائيلي. هذه الاتفاقية تنادي بالتخلي الصريح عن القدس لصالح القدس ولكن بصيغة "New Jerusalem"، أي القدس الجديدة، حيث تكون بلدة أبو ديس موقعا لها. بطبيعة الحال فالوثيقة ليست رسمية ولا يمكن لها أن تكون، غير أن روادها كثيرون إن لم نقل جميع رموز فتح الجديدة والسلطة والذين يتحدثون بسخرية فاضحة عما يسمى بالثوابت الفلسطينية ومنها القدس والاستيطان والجدار واللاجئين ...الخ بل أنهم يضيقون ذرعا حين يتحدث شخص ما عن اللاجئين أو عن القدس، ولو وردت القدس في جلسة سمر بينهم لعكرت صفوهم ولسمعتهم يقولون لك ببساطة: " بلا قدس بل بطيخ"!
لا يخفى على مراقب أن تداعيات أوسلو وسلسلة الاتفاقات المجحفة والتنازلات المدمرة وتضييع الحقوق الفلسطينية كانت أبرز عناوين العقد اللاحق على الاتفاق الذي ما زال البعض يدافع عنه رغم الكوارث التي خلفها، ولا يخفى على أحد أن الغالبية الساحقة من رموز أوسلو فشلوا في الوصول إلى المجلس التشريعي في أول انتخابات وصفت بالنزيهة قبل نحو عام أو أكثر بقليل بعد أن صوت الكثير من قواعد فتح لحركة حماس انتقاما من قياداتهم. ولا يخفى على أحد أن رموز أوسلو ليس لهم من القوة درعا ولا من التاريخ النضالي سجلا ولا من الشرعية الوطنية شيء يذكر بأي صورة كانت إلا ما توفره لهم الولايات المتحدة وإسرائيل من أسباب الهيمنة والبقاء والسيطرة على القرار الفلسطيني. ولا يخفى على أحد أن هؤلاء مندمجون في المشروع الأمريكي الصهيوني حتى النخاع، بل أنهم تجاوزوا حتى المطالب الأمريكية والإسرائيلية بصورة تبعث على الدهشة خاصة فيما يتعلق بموضوع القدس.
فحين حصل شارون، مثلا، على رسالة الضمانات الأمريكية من بوش، والتي اعتبرت القدس خارج أي تفاهمات مستقبلية مع الفلسطينيين والعرب، احتج الملك المغربي بوصفه رئيس لجنة القدس وبعث برسالة بالخصوص إلى الرئيس الأمريكي فرد عليه الأخير برسالة تثير العجب العجاب. وفيها يتساءل بوش بما معناه: كيف لي أن أنصف الفلسطينيين وقد تنازلوا عبر وثيقة جنيف أكثر مما تنازلت عنه الولايات المتحدة!؟ بل أن هؤلاء أوقعوا الشعب الفلسطيني بورطة سياسية حقيقية خاصة وأن الوثيقة يجري العمل على اعتمادها في الكونغرس الأمريكي من قبل أنصار إسرائيل لتصبح بمثابة القانون الملزم.
على كل حال فإن ما يجري الآن في فلسطين أخطر مما يمكن تصوره منذ زمن بعيد، فالولايات المتحدة الآن آمنة ومطمئنة إزاء سيطرة حماس على قطاع غزة، فقد تخلصت من حماس سياسيا وعزلت بقايا فتح في القطاع، والآن تتفرغ للضفة الغربية لاستكمال مخطط الشطب التام لحركة فتح من المعادلة الفلسطينية مستعملة ذات الأيدي، فما الذي يجري بالضبط؟
الذي يجري هو تطبيقات لخطط السفير الأمريكي ديفيد وولش القاضية بتصفية حركة فتح بالكامل عبر إبعاد أو إقالة أو طرد كل من يناهض السياسة الأمريكية، ولأن الخطط تسير على قدم وساق فقد شرع رموز فتح الجديدة بترتيب أوراقهم استعدادا للمرحلة القادمة، وهم الآن بصدد تأسيس قوة سياسية بديلة عن فتح ليس لها أية علاقة بالمقاومة أو بالسلاح، وتنشط لإخراج مخططاتها واتفاقياتها مع الإسرائيليين إلى العلن وفي مقدمتها اتفاقية جنيف، والخلاف الدائر بين هذه المجموعة ليس على المضمون بل على اسم القوة الجديدة هل هو حركة أم جبهة. ولا شك أن هذا مؤشر خطر جدا على ما ينتظر المقاومة والجهاد وباقي الفصائل والقوى الفلسطينية العلمانية والإسلامية على السواء.
أطرف ما في التطورات الجارية كان في تشكيل حكومة جديدة بعد سيطرة حماس على قطاع غزة، فقد تبين أن سقف المطالب الأمريكية ارتفع بصورة ملفتة للانتباه توازيه استجابة فلسطينية دون تردد. فالأمريكيون ما عادوا يطالبون بإبعاد حماس عن أية تشكيلة حكومية ولا اعتراف حماس بشروط الرباعية الدولية ولا عودة الوضع السابق إلى غزة قبل أي حوار مع فتح ولا غيرها من المطالب بقدر ما فرضوا مطالب جديدة أبرزها إبعاد أي عضو من حركة فتح عن المشاركة بأية حكومة فلسطينية قادمة، لذا فالناظر إلى التشكيلة الوزارية لحكومة سلام فياض سيلاحظ أنها تخلوا فعليا من أي عضو فتحاوي! ولعلنا الآن بتنا على بينة من خلفية التصريحات التي أدلى بها سلام فياض حول المقاومة وبعض التصريحات للرئيس أبو مازن وهو يعبر مثلا عن ندمه على اتفاق مكة وغضبته على المصريين وفشل لقائه مع الملك السعودي، وبالتالي فهو لا يبدو أنه بحاجة لأية زعامة عربية أو تدخل عربي، وليست زيارته لموسكو إلا لاستبعاد التدخل العربي فضلا عن أنه يراهن الآن على حل أمريكي خلال عام كما وعده جورج بوش!
لكن العارفين بدهاليز السياسة الأمريكية يتذكرون تصريحات كونداليزا رايس عشية اقتراح تعيينها وزيرة للخارجية حين أصرت على أن تحظى بصلاحيات واسعة لحل القضية الفلسطينية فإذا بها اليوم تتمنى التخلص من منصبها دون تردد! إذ أن ملف القضية برمته بيد جورج بوش والمحافظين، وليست دعوة بوش لعقد مؤتمر دولي إلا واحدة من أشد الأكاذيب والتضليل التي يمارسها بهدف إبعاد نتنياهو والاحتفاظ بأولمرت رئيسا للحكومة الإسرائيلية ولتهيئة إسرائيل لانتخابات قادمة من المفترض أن يفوز بها إيهود باراك.
أما الطرفة الثانية فهي استقالة محمد دحلان، فبالنسبة لديفيد وولش فلا بأس من إقالة بعض اللصوص كرشيد أبو شباك وغيره، أما دحلان فلا، لذا سيبقى، بحسب وولش، في يوغسلافيا لمدة أربعة شهور ثم يعود بعد أن يتعافى من مرضه إلى الحياة السياسية الفلسطينية كما لو أن شيء لم يكن. لهذا جرى إخراج قانوني لعودة دحلان بتقديم استقالته طوعا على أن يعود لاحقا لأن إقالته ثم إعادته ستكون محرجة للرئيس.
الغريب في كل ما يجري موقف الرئيس أبو مازن الذي يصر على المراهنة على الأمريكيين بالرغم من أن الرئيس الأمريكي وجه رسالة الدعم بإقالة حكومة هنية وتشكيل حكومة جديدة إلى عباس وسلام فياض معا في حين أنه من المفترض دبلوماسيا أن تتوجه الرسالة إلى الرئيس وليس إلى رئيس الحكومة، فهل سيستيقظ الرئيس قبل أن يوجه بوش رسالته إلى سلام فياض فقط؟ لا ندري، ولا ندري أيضا كيف ستتصرف حماس وباقي الفصائل الفلسطينية إزاء هذه التطورات. ولكن ما نعتقد به أن إخراج حركة فتح بصورة شبه رسمية من المعادلة الفلسطينية سيعني فراغا كبيرا جدا وخطرا لا بد من ملئه، فمن يملؤه؟