خريطة الموقع
السبت 4 فبراير 2012م



المقالات
:: الــجـهـاد الــعـالـمـي ::
::أفـغـانـسـتان ::
هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟ 1

د. أكرم حجازي





هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟

المأزق الأمريكي

(1)


د. أكرم حجازي

19/4/2009




قبل الهجوم الأمريكي على إمارة أفغانستان طالبت الولايات المتحدة بتسليم بن لادن لها باعتباره مسؤولا عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ولم يكن هذا المطلب بالنسبة لطالبان ليعني، بأي حال، استمرار نظام الإمارة وتوجهاتها ولا السماح باستمرار نشاط القاعدة دون بن لادن. فالأمريكيون، بحسب الملا محمد عمر، سعوا لإسقاط الإمارة منذ إعلانها، ولو لم يكن حدث 11 سبتمبر مبررا قويا لسعوا لإيجاده. كما أن الأمريكيين كانوا موقنين، أيضا، بأن مطلبهه ليس سوى تعلة لغزو البلاد، وعليه فقد ذهبوا إلى المعارضين للإمارة وخيّروهم بين التعاون معهم لإسقاط الإمارة وإعادة إعمار البلاد أو الوقوف إلى جانب طالبان وخسارة كل شيء.

وعلى شدة الهجوم الأمريكي والمجازر الفظيعة التي ارتكبت في أفغانستان ما كان لأحد أن يتوقع قيامة لطالبان أو القاعدة وهما وسط أهوال من الركام التي طمرتهما تحت أشد الأسلحة الأمريكية تدميرا وفتكا. فما تعرضت له الجماعتان كان كافيا لاختفائهما عن وجه الأرض لألف سنة قادمة. ولو أصيبت جماعة أخرى ما أصاب طالبان والقاعدة لما قامت لها قيامة أبد الدهر.

لكن مع مضي سنوات الحرب الطاحنة كانت الاستراتيجية الأمريكية تتآكل كلما تبين أن طالبان تتضخم ويثمر جهادها ابنة شرعية هي طالبان الباكستانية ونفوذ واسع النطاق، حينها أدرك الأمريكيون أن استمرار تراجع قوات الناتو في أفغانستان سيعني بالنهاية سيطرة طالبان والقاعدة، وهذا لن يهدد المنطقة برمتها وفي مقدمتها باكستان فحسب بل سيكون وبالا على الغرب. لهذا أعلنت الولايات المتحدة عن استراتيجية جديدة في المنطقة لوقف الزحف الطالباني وتأمين المنطقة. والسؤال: لماذا تبدو باكستان بعد كل هذه الخدمات تحت المطرقة الأمريكية والتهديد بتفكيكها؟ وفي المقابل تبدو الولايات المتحدة مضطرة إلى الاستعانة بإيران بصورة غير مسبوقة وهي التي فضلت احتكار الملف الأفغاني منذ احتلال البلاد؟ ما الذي لم تقدمه باكستان ويمكن أن تقدمه إيران؟

لما تتحدث الولايات المتحدة عن الحاجة إلى استراتيجية جديدة فهذا يعني أن القديمة إما أنها فشلت تماما أو أنها لم تعد كافية لمواجهة المستجدات على الساحة. أما القديمة فقد استندت بالدرجة الأساس إلى معيار القوة عبر التدخل العسكري العنيف الذي لم يأخذ بعين الاعتبار مصالح أي طرف آخر. ولتحقيق أهدافها اعتمدت على باكستان كقاعدة انطلاق في تدمير أفغانستان وضرب طالبان والقوى الجهادية فيها سواء كانت القاعدة أو أية قوة أخرى. وباعتبارها قوة غزو فقط، فمن الطبيعي أن تمارس أمريكا المراوغة والكذب، كعادتها، فيما يتعلق ببناء أفغانستان والقضاء على تجارة المخدرات فيها والتي نمت صادراتها أضعافا مضاعفة في ظل احتلالها العسكري للبلاد. وكعادتها أيضا جاءت بعملائها ونصبت منهم حكاما على البلاد وأفسحت المجال لأوكار الفساد والإفساد حتى تجري عملية النهب للثروات دون أن تجد من يحاسبها.

ولأن الاستناد إلى معيار القوة كان مصحوبا، كالعادة، بحزمة من القيم الوحشية التي تميز الأمريكيين وتهيمن على عقليتهم كالغرور والحقد والاستعلاء والرغبة في الانتقام فقد اعتقدوا أن بمقدورهم تحقيق أهدافهم في أفغانستان دون عناء كبير، بل أنهم نزلوا في أفغانستان، كما غيرها من البلدان، وهم محملين بثقافة الصيد والقتل العشوائي والتدمير والاستخفاف بالسكان والإثخان فيهم. وفي ضوئها هاجمت الولايات المتحدة أكثر من 500 هدف مدني كالمدارس والمساجد والأعراس ودور تحفيظ القرآن والقرى النائية في محاولة لإرهاب السكان وفك أي ارتباط بينهم وبين المقاتلين، فضلا عن أن جرائمهم الوحشية ارتكبت كما لو أنها عربون نقاهة في معالجة آثار الصدمة النفسية التي خلفتها هجمات 11 سبتمبر. وفي المحصلة بدت التصرفات الدموية للأمريكيين في أفغانستان أقرب إلى تلبية احتياجاتهم النفسية من قربها لأية احتياجات أمنية أو استراتيجية كما زعمت الولايات المتحدة بقيادة المحافظين.

لذا، فبعد سنوات من الحرب الظالمة عادت طالبان والقاعدة إلى الساحة كقوى متمرسة وأشد بأسا وخبرة وعدة وعتادا من ذي قبل، وتبعا لذلك لم يعد قتل قياداتهما ورموزهما أو اعتقالهم أهدافا استراتيجية لا للأمريكيين ولا للناتو ولا حتى للأمم المتحدة. ولا ريب أن هذا التوصيف، للوضع الراهن وفي هذه اللحظات بالضبط، يعني لكل مراقب أن الولايات المتحدة منيت بخسائر فادحة في أفغانستان لدرجة أن تصريحات القوى الجهادية بدت أكثر تفاؤلا وهي تتحدث عن تباشير النصر القادمة مقارنة بتشاؤم تصريحات الكثير من المصادر الغربية وهي تتحدث، بنوع من التسليم، عن انتصار طالبان أو على الأقل استحالة هزيمتها عسكريا. ولما يكون الأمر بهذه القتامة والخطورة فما هو المبرر لوجود قوات احتلال، في مكان ما، بلا أهداف قابلة للتحقيق ولو في حدها الأدنى؟ لا شيء يذكر.

هكذا تبدو الاستراتيجية القديمة، على فرض وجودها أصلا، قد ولت إلى غير رجعة. وبات الحديث عن لغة جديدة ضرورة يعكسها شبه الإجماع العالمي الذي أقرّ بفشل معيار القوة العسكرية، وحدها، في التعامل مع الملف الأفغاني بصورة مريعة ومخزية مقابل تقدم بارز للمشروع الجهادي، في المنطقة، على المستوى الميداني وعلى مستوى الأطروحة الجهادية ذاتها. وزيادة على ذلك؛ فالذين لفظوا طالبان والمجاهدين، من السكان، حين الغزو الأمريكي وازدروهم في أفغانستان ووزيرستان وباعوا الكثير منهم إلى القوات الباكستانية وعبرها إلى الولايات المتحدة هم اليوم في صفوف طالبان والقاعدة مقاتلين أشداء ومساندين لهم ودعاة لتطبيق الشريعة ومواصلة الجهاد في مناطق أخرى.

لكن لأن الأمن القومي الأمريكي والأوروبي والإقليمي مرتبط بواقع الحال في أفغانستان فمن الصعب توقع انسحاب مفاجئ للناتو ناهيك عن انسحاب أمريكي في المدى المنظور. إذ أن الانسحاب سيعني انتحارا ميدانيا وتهديدا إقليميا خطيرا وتوترا دوليا شديدا كونه سيسمح للقوى الجهادية بالانتصار الساحق ويعزز من أطروحة الجهاد العالمي في مناطق أخرى. وعليه فالمأزق أبعد من الساحة الأفغانية، بما أن طالبان الباكستانية باتت أشد خطرا وفتكا من طالبان الأفغانية، وبما أن التمدد باتجاه الأقاليم الباكستانية يهدد بابتلاع البلاد وجرها إلى عرين الشريعة وعبرها إلى عرين الجهاد العالمي. وبما أن العالَم الرسمي لم يتحمل بضعة جبهات جهادية فمن الأولى به ألا يتحمل انفجارات كبرى في مناطق عديدة من البلاد الإسلامية.

هكذا تبدو أمريكا قد جنت على نفسها بسياساتها وغطرستها. فمشكلتها التاريخية الأعوص أنها لا تقيم وزنا للخصم ولا تسعى لإدراكه، ولا تعترف بمرارة الواقع إلا بعد فوت الأوان، وما أن تقع في ورطة حتى تستفيق وتبدأ بالصراخ والعويل وإطلاق التهديدات. فكل التصريحات والتقارير والنصائح والتقييمات التي تتناقلها وسائل الإعلام العالمية، منذ عام وحتى الآن، عن العسكريين والسياسيين والمحللين والاستراتيجيين والخبراء تدور في حلقة مفرغة وهي تبحث عن مخرج لنتائج السياسات الأمريكية والغربية وفعالياتهما العسكرية في المنطقة. وهذا مؤشر دقيق على أن الأمريكيين وحلفائهم لم يدركوا خصومهم، ولم يعرفوا بعد لا طالبان ولا القاعدة ولا أنماط تفكيرهما ولا خلفيات العقل الجهادي لما تكون مرجعياته ومصادر تشكله الشريعة الإسلامية وليس السياسات الوطنية ولا الرغبات النفسية. فهل يمكن محاربة خصم لا يُعرف منه سوى أهدافه؟ وهل يمكن للمنطق الغربي أو الوطني فهم العقلية الجهادية بسهولة؟

إذن وسط قناعة باستحالة الانتصار أو تحقيق أي حسم عسكري برزت الحاجة إلى إعادة النظر في الأداء السياسي والعسكري للقوات الأمريكية في أفغانستان وباكستان على السواء. لكن الخروج من المأزق الأفغاني لا يعني بالضرورة الاستعداد للانسحاب بقدر ما يعني البحث عن وسائل مهمتها وقف اندفاع طالبان والقاعدة وخفض وتيرة العمليات العسكرية لهما وحماية القوى الدولية من خطر الاستنزاف البشري. وعلى امتداد السنة الماضية، حيث وقائع الانتخابات الأمريكية، لوحظ أن الأمريكيين في حالة تمايز في المواقف تجاه ما يجب القيام به في أفغانستان. فقد تحدثت أمريكا بلسان الجمهوريين عن مفاوضات مع طالبان ثم تحدثت بلسان الديمقراطيين فقط عن زيادة في عدد القوات لكنها اليوم، بعد فوز أوباما، تتحدث عن استراتيجية جديدة.

يتبع ...



نشر بتاريخ 19-04-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 6.03/10 (1116 صوت)


الـتـعـلـيـقـات

[مشاكس] [ 20/04/2009 الساعة 11:21 مساءً]
جزاك الله خيراً دكتورنا الحبيب

[يطلب فهما] [ 23/04/2009 الساعة 10:32 مساءً]
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أطلت الغيبة د.أكرم إن شا الله إنك بخير |0|

الشيء الذي يزيد حيرتني يوميا..هو أنك تقرر أن القوات المعادية لا تفهم عقل السلفية الجهادية..حق الفهم ,,
طيب دكتور أكرم ,, دراسات راند -خصوصا الأخيرة - والتي كان في أحداها دراسة خاصة في جزئية معينة في موقع منبر التوحيد والجهاد (الموسوعة الشرعية للسلفية الجهادية)
[د. أكرم حجازي] [ 24/04/2009 الساعة 11:34 صباحاً]
نعم.
فما زلت أعتقد أن راند وأمثالها ربما تكون قد فهمت الفرق بين الأطروحات الإسلامية وهذا ليس صعبا حتى على باحث مبتدئ. لكنها عاجزة، ولا شك، عن فهم العقلية الجهادية ذات التوجهات العالمية و عاجزة عن أدائها فضلا عن فهم آليات اشتغالها. وهذا ينطبق حتى على الكثير من الدراسات المحلية التي تنطلق في تحليلاتهامن منظومات فكرية وضعية أو أيديولوجيات وطنية من حيث تشعر أو لا تشعر حتى لو كانت إسلامية أو محايدة.
فالمماثلة بين التيارات السلفية كما لو أنها أحزاب أو تنظيمات أو جماعات "متطرفة" وغير ذلك من التوصيفات هي بلا شك قراءات عبثية لن تصل بدعاتها إلى فهم ولا نتيجة.
وقراءة السلفية الجهادية انطلاقا من المفاهيم التي أفرزتهامنظومة العلاقات الدولية والمجتمعات الراهنة أو بموجب مصطلحات الإسلام الوطني لا تصلح في شيء، لأن الإسلام الوطني ذاته هو نتاج مفاهيم راهنة كالنظام الدولي والمجتمع الدولي والعلاقات الدولية والشرعية الدولية وكل هذا لا تعترف به أصلا، فكيف يمكن أن تشكل مثل هذه المصطلحات مفاتيح للفهم؟

ثانية
أشكرك على التعليق

SAUDI ARABIA [أبوالبراء,,] [ 24/04/2009 الساعة 12:49 صباحاً]
لله درك ..

وعلى الله أجرك ..

 

القائمة الرئيسية





إصدارات المراقب

أوقات الصلاة
استعلم عن مدينة اُخرى

القائمة البريدية

التقويم الهجري
12
ربيع أول
1433 هـ

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.almoraqeb.net - All rights reserved

: عدد الزوار

 

Development by :  شــآم

 


المقالات | المكتبة | الرئيسية