لعل أقصى ما أدركته أمريكا من الوضع في أفغانستان وباكستان أنه يحتاج إلى جهد دولي وإقليمي لمواجهته! هذه المحصلة، من وجهة نظر عسكرية وسياسية بعيدا عن الأزمة الاقتصادية، جاءت:
• على خلفية سيطرة طالبان على 72% من الأراضي الأفغانية واحتمال سقوط البلاد بيدها.
• وفي أعقاب الإقرار بخطورة طالبان الباكستانية واحتمال تمددها إلى أقاليم باكستانية أخرى، وترجيح الحل الجذري للأزمة في باكستان، وتحديدا في الحزام القبلي البشتوني وليس في أفغانستان.
• وفي أعقاب فشل الحل العسكري خاصة مع انهيار ممر خيبر الذي يمثل خط الإمداد الرئيسي لقوات الناتو بين باكستان وأفغانستان.
• والأهم أنها تأتي في أعقاب إقرار الولايات المتحدة بأنها عاجزة وحدها عن مواجهة ما تراه مخاطر جدية تهدد الأمن الأمريكي مثلما تهدد دول الجوار والعالم، وأن في المنطقة والعالم لاعبون غيرها لا يقلون دهاء وخبرة عنها في التعامل مع الملف الأفغاني الذي احتكرت التصرف به وحدها طوال السنوات الماضية، وأنه من الحماقة عدم الاستفادة ممن يقدمون خبراتهم.
ومع ذلك فالجهد الدولي والإقليمي المطلوبين، في إطار الاستراتيجية الجديدة، سيظلان تحت سيطرة القيادة الأمريكية ورؤيتها. وعليه فإن الجهد الدولي ينبغي أن يضع بعين الاعتبار نظرية الجنرال ديفيد بتريوس قائد المنطقة الوسطى للقوات الأمريكية والقائمة على تبادل التفاهم في إطار تبادل "المصالح المشتركة"، وفي السياق لا خلاف على أن بقاء الاحتلال قائما في أفغانستان هو ضرورة ملحة للجميع، وهو ما عبر عنه أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وصولا إلى وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي.
أما الجهد الإقليمي، وفقا للجنرال بتريوس، فيقضي بتوجيه السياسة الأمريكية ذاتها للعمل على أساس مبدأ: "الموازنة بين المصالح المتعارضة والمصالح المشتركة". فالسياسيون ينبغي أن يوازنوا بدقة بين ما هو مشترك وما هو متعارض خاصة فيما يتعلق بالملفات الساخنة. لكن ما هي حيثيات الجهد الإقليمي؟ ومن هي القوى المعنية؟ وما هي الأدوار التي يمكن أن تلعبها في المنطقة؟ لنبدأ من باكستان.
فالصراع الباكستاني – الهندي يعدّ واحدا من ثلاث صراعات دولية، إلى جانب فلسطين وشبه الجزيرة الكورية، يمكن أن يؤدي الاشتباك في إحداها إلى حرب كونية ثالثة. وعليه فليس سباق التسلح بينهما إلا صراعا على البقاء. فالباكستان تأسست على خلفية صراع ديني بين "المسلمين" و"الوثنيين"، وحتى المجتمع والجيش الباكستانيين أُشبعا تاريخيا بمحتوى عقدي بارز ضد الهنود. ولأن أفغانستان تمثل بالنسبة للباكستان عمقا استراتيجيا لا مفر منه في مواجهة الهند فقد كان من الطبيعي، ولما يزل، أن تكون باكستان بمثابة القاعدة الآمنة للجهاد الأفغاني في مرحلته الأولى وأن تتبنى طالبان في المرحلة الثانية وأن تحتفظ بعض العناصر أو مراكز القوى في أجهزتها السياسية والأمنية والعسكرية، من منظور عقدي أو استراتيجي يلبي احتياجات دولة في مرحلة ما، بعلاقات واتصالات مع القوى السياسية وحتى الجهادية على السواء في مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر. وهكذا تبدو الباكستان دولة تصارع على وجودها منذ نشأتها، وليس من المنطقي أن تفرط بكل أوراقها مهما بلغت الضغوط الأمريكية.
هذه الوضعية لباكستان لم تعد مقبولة منذ زمن لدى الأمريكيين. ومنذ صعود نجم طالبان بقوة على الأرض بدأت الطعون الأمريكية في الدور الباكستاني تتوالى ابتداء من أوائل العام 2005، وغدا الرئيس برويز مشرف أقوى حليف لأمريكا متهما بالتقصير في محاربة الإرهاب. بل أن باكستان متهمة بكونها "دولة فاشلة" أو في الطريق إلى ذلك، وبالتالي فهي مهددة بالتفكك. وقد تصاعدت حدة هذه الاتهامات مع وصول الرئيس أوباما إلى الحكم وإعلانه عن استراتيجية جديدة في أفغانستان.
ومن جهتها نشرت صحيفة النيويورك تايمز تقريرا لها (25/3/2009) ذكرت فيه: "أن تقييم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ربط بشكل محدد بين أعضاء بوكالة الاستخبارات الباكستانية وشبكة للمتشددين يرأسها مولاي جلال الدين حقاني الذي تعتقد الاستخبارات الأمريكية أن له صلات قوية بشخصيات بارزة في تنظيم القاعدة في المناطق القبلية بباكستان". وأن: واشنطن ستشن "حربا مفتوحة" على من قالت الصحيفة إنهم جواسيس يقدمون دعما ماليا ومعدات واستشارات استراتيجية لمسلحي طالبان في أفغانستان. وهكذا بات من الضروري تطهير الجيش وأجهزة المخابرات من العناصر والقيادات ذات الميول الدينية والتي تقول الولايات المتحدة، بلسان مبعوثها إلى المنطقة ريتشارد هولبروك، أنها تمتلك أدلة مادية قوية (روايات جنود ومخبرين ومكالمات لاسلكية ملتقطة!) على ضلوعها في تقديم الدعم لطالبان والقاعدة، واصفا الترابط بين القاعدة والمؤسسة العسكرية الباكستانية بالأمر المزعج الذي لن يتيح مجالا للنجاح في المنطقة خاصة وأن الولايات المتحدة، بحسب تصريحات لاحقة لهولبروك، لم تواجه وضعا مثيلا كالذي تواجهه في باكستان وأفغانستان، مشيرا أن الحرب ضد طالبان والقاعدة ستكون طويلة.
وفي 2/3/2009 أشارت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إلى أن: "الطبقة الوسطى من العاملين في جهاز المخابرات تقيم في أحيان علاقات دون علم وموافقة كبار المسؤولين". ومن جهته أكد ديفيد بتريوس وكذا قائد الجيوش الأمريكية الأميرال مايكل مولن على هذه التصريحات في رده على سؤال لمحطة “سي ان ان 28/3/2009” حول ما إذا كان هناك عناصر من الاستخبارات الباكستانية يقدمون الدعم للقاعدة وحلفائها الطالبان فأجاب: "هناك بالطبع مؤشرات ... إن الأمر كذلك”. مضيفا: "في الحقيقة، هذا واحد من الأمور التي يجب أن تتغير". وأوضح مولن أن: "هذه الصلات كانت قوية جدا وبعضها دون شك باق حتى يومنا هذا على ما أعتقد" مشيرا إلى أنه: "من الصعب توضيح إلى أي مستوى ما زالت هذه العلاقات قائمة".
كل هذه التقارير والتصريحات المحمومة ضد الحليفة باكستان ظهرت كمقدمة لخطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما (27/3/2009) كي يعلن عن إستراتيجيته الجديدة في باكستان وأفغانستان حيث وصف تنظيم القاعدة بأنه "مرض سرطاني" يهدد المجتمع الباكستاني من الداخل، داعيا إسلام أباد أن تكون "شريكاً قوياً ... عليهم أن يعززوا نظامهم الأمني" لملاحقة تنظيم القاعدة وإلحاق الهزيمة بها، مما يحتم على باكستان العمل وفق ما تتطلبه الاستراتيجية الجديدة خاصة وأن أوباما كان صريحا في تهديده حين قال: " لا نستطيع أن نحرر شيكا على بياض".
إذن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لا تستطيع المضي قدما في تأمين الحزام القبلي ما لم تقم باكستان بإجراء إصلاحات جذرية في هياكل مؤسساتها العسكرية والأمنية على السواء تؤدي إلى طرد هذه العناصر من مهامها واستبدالها بأخرى. ولو طبقت مثل هذه الإجراءات، بحسب المقاييس الأمريكية، فستؤدي قطعا إلى تفكيك العقيدة القتالية للجيش الباكستاني وتحويله، ببساطة، إلى جيش ليبرالي موال بالكامل للغرب بحيث ينتفي لاحقا مبرر وجود الدولة الباكستانية ذاتها. ولعل أخطر ما في الاستراتيجية الأمريكية واتهاماتها هي تلك التي تخيّر باكستان بين القيام بهذه الإصلاحات أو تفكك البلاد في غضون عقد من الزمان، ولا شك أن هذا تهديد أكثر منه تحذير خاصة وأنه لا يسمح لباكستان لا بالتفكير ولا بالمناورة. ولأن الولايات المتحدة مصرة على مطالبها فهي تحاول جاهدة إقناع باكستان بأن الخطر الوجودي عليها يكمن في الإرهاب وفي منطقة وزيرستان على وجه الخصوص وليس في الهند، وهذه محاولة أشبه بأحلام اليقظة.
ومع ذلك فإن أوراق باكستان في المناورة ضعيفة في مواجهة الضغوط الأمريكية الملغومة، ولعلها أقرب إلى إعادة التأهيل من أي أمر آخر ولو لمرحلة معينة. فالغارات الجوية لطائرات الاستطلاع الأمريكية على معاقل طالبان لم تتوقف فضلا عن أنها تنفذ بموجب اتفاق سري بين باكستان وأمريكا خلافا للتصريحات المعلنة. لكن ماذا عن إيران؟