من يستطيع القول اليوم غير «الإخوان» و «حماس» أن هؤلاء يمتلكون مشروعا على مستوى الأمة أو على المستوى الوطني؟ قد يبدو السؤال تجنيا عند من لا يعرف تاريخ «الإخوان» أو فاتته أطروحاتهما. فلنقل إذن: إذا كانت النزاعات هزت «الإخوان» على امتداد العالم الإسلامي متسببة بانشقاقات وانسحابات لبعض الفروع من الجماعة الأم أو حلها؛ فلأن الجماعة، صاحبة التوصيفات المتنوعة، لم تمتلك، في يوم ما، مشروعا محددا يمكن أن تهتدي به أو تعمل عليه. كل ما امتلكوه شعارات مثل «الحل الإسلامي» ليس لها أي محتوى يمكن فهمه إلا في كونها ردودا على أطروحات أيديولوجية علمانية، أو دعوات تبحث عن «أسلمة المجتمع» لم تُعرَّف تعريفا دقيقا، ولم تُحدَّد لها أية آلية تذكر. وكل ما يمكن قوله أن الجماعة من المفترض أنها ذات مرجعية إسلامية.
أما اليوم فما هو مشروع «الإخوان» لاسيما وأن الجماعة بذاتها باتت بحاجة إلى «مرجعية» بعد أن غزتها العلمانية حتى النخاع؟ وما هو الدور الذي تلعبه على مستوى الأمة خاصة بعد أن ألقت دوائر البحث الغربية كـ « مجموعة الأزمات الدولية » ومؤسسة « راند» إليها بـ «الطعم»، وأوعزت إلى أهل القرار بالعمل على احتواء ما أسموه بـ «الإسلام المعتدل»؟
أولا: الإخوان بمنظور غربي
الحاصل في الأمر أن الحاضر العربي والإسلامي لم يعد خطابه السياسي الرسمي يتضمن أحاديث عن الوحدة العربية ولا عن حركات التحرر ولا عن حقوق الإنسان ولا عن الديمقراطيات ولا عن المشاركة السياسية ولا عن التضامن العربي، كما لم يعد يتحدث عن إزالة إسرائيل ولا عن معاداة الصهيوينة أو الامبريالية ولا عن العدو المشترك للأمة. فهذه لغة انقرضت تماما بانقراض الأيديولوجيات والقوى التي كانت تتبناها وتروج لها. فما هي اللغة السائدة إذن في ايامنا هذه؟
إنها لغة الأحاديث الرسمية الجديدة التي تشترك فيها قوى سياسية وعلماء دين وجماعات «مقاومة» إسلامية. كل هؤلاء يتحدثون اليوم، نسبيا أو كليا وبشكل أو بآخر، عن تقارب أديان وتطبيع مع إسرائيل وإجراءات حسن ثقة وتحالفات ضد الإرهاب وتسويات ومفاوضات وتنازلات وتباكي على اليهود ومعاناتهم!
وفي ذات الوقت يتحدث هؤلاء بلغة الغرب المعادية للإسلام والمسلمين مستخدمين كافة مصطلحاتهم العدائية فضلا عما ابتدعوه من منظومة اصطلاحية خاصة بهم. أما من احتفظ ببعض ما اكتسبه في السنين الخالية من عداء للمشاريع الغربية والصهيونية في المنطقة أو مشاعر وطنية فهم قلة تمارس قناعاتها، فكريا، إما تأييدا لجهة ما أو على مسؤوليتها الخاصة.
وتأسيسا على ذلك تبدو الأمة، في الوقت الراهن، أقرب ما تكون في حالة تيه عجيب لم يسبق لها أن عانت منها إلا في أوائل القرن العشرين حيث الانهيارات الكبرى وأعظمها في التاريخ العربي والإسلامي على السواء. فمن جهة لم يعد للأمة أية مرجعية توجه اختياراتها أو تحكم حاضرها ومستقبلها. ومن جهة تبدو كل القوى الوطنية، إسلامية كانت أو علمانية، قد استهلكت فلسفاتها وأيديولوجياتها ولم يعد لديها ما تراهن عليه أو تسترشد به.
بل أن حال الأمة في وضعها الراهن أشبه ما يكون بمرحلة انتقالية تنذر بفوضى عارمة تستهدف النظام الدولي من جهة ونظام «سايكس – بيكو» من جهة ثانية. وما طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير إلا دليلا دامغا على ذلك. إذ أن الأمة، بنظر الغرب أو بنظرها، لن تظل، إلى الأبد، حبيسة منظومة استعمارية بدأت تحتضر ولم تعد قابلة للاستمرار.
و(« بحسب أطروحات التيار الجهادي العالمي فقد انتهى عصر الصراعات الوطنية والقومية واليسارية وحتى الإسلامية ذات الطابع الوطني إلى غير رجعة. إذ ما من قضايا وطنية يجري الحديث عنها، ولا مفاوضات أو مساومات، ولا مصالح مشتركة، ولا قانون دولي أو وضعي، ولا استقلال وطني، ولا مقاومة للاستعمار، ولا مكاسب وامتيازات شخصية مغرية أكثر من «الله أكبر». إنها باختصار أطروحة عقدية أُفلتت من عقالها. هذه هي الحقيقة التي يتوجب على العالم أن يعيها جيدا. ولعل أسوأ ما فيها أن القوى العظمى لن يعود بمقدورها مجرد التفكير بأية مغامرات عسكرية أو احتلال مباشر لأراض أغلب سكانها مسلمون. لكن إذا ما فعلت؛ فعليها أن تتوقع عواقب وخيمة كون الذين سيواجهونها هذه المرة لن يكونوا على شاكلة الجيوش العربية المدجنة ولا من ذوي « الإسلام هو الحل » أو «الوحدة العربية» أو «القرار الوطني المستقل» أو «الأممية العالمية»).
لكن لمنع انهيار النظام؛ يجهد الغرب من جهته في البحث عن أدوات لإسناد النظام القائم أو التفتيش عن بديل له كاف لإشغال الأمة لعقود قادمة بنفسها. أما على مستوى الأمة فمن الواضح أنه لم يعد ثمة قوى محلية يمكن أن تشكل بديلا مأمونا لدى الغرب أكثر من جماعة «الإخوان المسلمين». فـ «الإخوان» هم آخر القوى الكبرى، ولم ينفصلوا منذ نشأتهم الأولى عن النظام الدولي وشرائعه، ولا عن منظومة « سايكس - بيكو» كصيغة سياسية أو كحالة ثقافية على السواء ، فلماذا لا يتم إشراكهم في العملية السياسية خاصة وأن « الإسلام المعتدل » ممثلا بـ «الإخوان المسلمين» بحسب مجموعة الأزمات الدولية: « يتميز بصفات ومزايا غير عدائية للغرب وقيمه»، ويمثلون بحسب تقارير « راند» (تقرير إبريل 2004) و« مجموعة الأزمات الدولية» (تقرير القاهرة – بروكسل، 2 آذار 2005) ما يزيد عن ثلثي القاعدة الديمغرافية؟
هكذا إذن، فالإخوان بنظر الغرب هم آخر الأوراق الثمينة في استمرار النظام القائم. وعليه فإن السؤال المطروح بشدة هو: هل يمكن أن يشكل «الإخوان المسلمون» مشروعا بديلا للأمة؟ أم بديلا للغرب؟ لنرى.
ثانيا: واقع الإخوان
الأكيد أن الواقع والأداء السياسي للجماعة وفروعها هما الأجدر بالإجابة على السؤال دون أي تدخل. أما فالواقع يؤكد، قولا وفعلا، أن «الإخوان» بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 مندرجون رسميا:
• إما في إطار المشروع الأمريكي، كما هو حالهم في أفغانستان والعراق والصومال وحتى الجزائر.
• أو باحثون عن الاندراج في المشروع الأمريكي كما تفعل حماس عبر بوابة التسوية.
• وإما في إطار المشروع الصفوي كما هو حال الجماعة الأم وبعض فروعها كحركة حماس.
• أو مندرجون، في منظومة « سايكس – بيكو»، عبر العملية السياسية كما هو حالهم في أغلب الدول العربية والإسلامية.
ولأن لهذا الاندراج استحقاقاته السياسية والعقدية والأمنية، فقد استجاب «الإخوان»، جماعة وفروعا، للمطالب الغربية، إما بالتناغم معها وإما بالتنفيذ الحرفي لها دون تردد. ولا شك أن فيض التصريحات التي نسمعها من «الإخوان المسلمين»، على المستوى السياسي أو العقدي والأمني، تندرج في إطار عمليات التأهيل العلنية كي تتوافق:
(1) مع الأطروحة الغربية؛
(2) ولتهيئة القواعد كي تتقبل الأطروحات الجديدة قبل الدخول في مصالحة رسمية مع الغرب ليس من المستبعد أن؛
(3) تنتهي بالاعتراف بإسرائيل، قولا أو فعلا، عاجلا أم آجلا.
فالجماعة الأم، وهي تشرف على التغيرات الجذرية التي تكتسح الجماعة والفروع دون هوادة، قطعت، في الواقع، أشواطا بعيدة فيما هو أسوا من المصالحة مع الغرب. فـ «الإخوان» باتوا داخلين، بكل ثقلهم، في حوارات، سياسية سرية وإعلامية علنية، يقدمون فيها أنفسهم بموجب مصطلحات علمانية صرفة تدين الجهاد وتتنكر للشريعة وترفض تطبيقها على المجتمع وتحيل أمرها إلى الدستور والقوانين واختيار الشعب، وأخرى تروج، ليل نهار، لمقولات المجتمع المدني والدولة المدنية والمواطنة والديمقراطية وصناديق الاقتراع وما إلى ذلك من المصطلحات التي غدت تشكل بالنسبة لهم ركائز أيديولوجية جديدة ومفاتيح لطمأنة الغرب عن توجهاتهم الجديدة. وهذه لغة، وإنْ كانت بينية فيما مضى، إلا أنها لم تكن تستهدف عموم الأمة حتى السنوات القليلة الماضية، مما يعني أن الجماعة ليست بصدد تقديم اجتهادات شرعية والتبرير لها، كما جرت العادة، بقدر ما تمارس انقلابا تاما على مرجعياتها التاريخية.
كان من الممكن أن يلتمس البعض عذرا لـ «الإخوان» في اختياراتهم لو احتفظوا، شكليا، بهويتهم الدينية كما جاءت في التعريف كـ « رسالة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية» ترفع شعار: «الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا»، لكن هذا لم يحصل قط. فهم من يجاهر بها ويدافع عنها ويجادل بها على كل منبر وبشكل مكثف للغاية مما يؤشر على أنهم عازمون على السير في الطريق إلى نهايته. فهل «حماس» أقل اندفاعا من الجماعة الأم أو باقي الفروع في خياراتهم الجديدة؟
ثالثا: واقع حركة حماس
إذا كانت «حماس» توصف، لدى العديد من القوى الإسلامية والوطنية، ولدى كل مراقب وكاتب ومحلل ومثقف بأنها تسير، منذ دخولها العملية السياسية، على خطى حركة « فتح» قبل الإعلان عن اتفاق أوسلو «حذو القذة بالقذة» كما يقول بيان لحزب التحرير؛ فالسؤال هو:
• ما شأن حركة «حماس» في تجنب الخطاب الشرعي وتبنيها للعلمانية واستعمالها لمصطلحاتها لدرجة أدهشت الغرب كما شاهدنا ذلك خلال مناظرة على فضائية
الجزيرة مباشر بين ألستر كوك المبعوث الأوروبي السابق للمنطقة وأسامة حمدان ممثل حماس في لبنان – 28/10/2008)؟ بينما هي جماعة إسلامية وجهادية كما تصف نفسها، ومن المفترض أن تنشغل بدفع الصائل في بلاد مغتصبة أو محتلة، وأهلها مشردون في شتى بقاع الأرض؟
• وما شأنها بدخول العملية السياسية تحت سقف اتفاقات أوسلو وعبر مؤسساته، ومن ثم التوجه نحو التسوية بصورة محمومة أسرع مما فعلته منظمة التحرير في زمانها بما لا يقارن؟ لنستطلع بعض ما جنته «حماس» في أربع سنوات من تغيير في لغتها بمقدار 180 درجة.
1) العملية السياسية
فقد أعلنت حماس عزمها الدخول في العملية السياسية داخل فلسطين تحت سقف اتفاقات أوسلو كشريك كامل وليس بهدف «الإصلاح والتغيير» كما روجت له الحركة عشية انتخابات المجلس التشريعي وخلالها. وقد استعملت الحركة بلسان ناطقها الرسمي
مشير المصري عبارتي «الشراكة الكاملة» أو «المشاركة السياسية في كل شيء» حتى قبل أن تختلف مع حركة فتح. فقد دخلت العملية الانتخابية باسم « قائمة الإصلاح والتغيير». ولا ندري ما الذي أصلحته الحركة في السنوات الأربع الماضية؟ ولا التغيير الذي أحدثته في السياسة أو المجتمع أو الاحتلال أو الدين والأخلاق أو العدل أو المساواة منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا إلا الانقلاب التام على رأي القيادات التاريخية التي كانت تحرِّم المشاركة في العملية السياسية.
العجيب أن «الإخوان» و «حماس» يبررون، على نطاق واسع، خطوة المشاركة في العملية السياسية تحت حراب الاحتلال بالقول: « حتى نمنع حركة فتح من تقديم المزيد من التنازلات»! أو « حتى تستثمر الحركة نجاحاتها في صورة مكاسب سياسية»! فأية مكاسب يمكن للفلسطينيين أن يتطلعوا إليها غير زوال الاحتلال ورفع الاضطهاد عنهم داخل فلسطين وخارجها؟ فهل حققت الحركة شيء من هذا القبيل أو حتى القليل منه؟ وهل كانت الحركة فاشلة حين كان الجهاد، فقط، خيارها الاستراتيجي؟ والآن أصبحت ناجحة وهي تتوجه نحو التسوية وانتظار عروض الغرب وإسرائيل بما يجودان به؟ وهل كان د. عبد العزيز الرنتيسي حين كتب مقالته الشهيرة سنة 1996 ورفض فيها المشاركة في الانتخابات التشريعية متساهلا مع حركة « فتح» حتى تأتي القيادة الجديدة لـ « تصلح» الخطأ و « تغير» من اتجاه البوصلة!؟ وهل كان الرنتيسي قاصر الفهم لما كتب يقول: « ندرك أن أي حكومة تقوم في ظل الاحتلال، وبإذن منه، لا بد أن تستوفي الشروط التي يضعها جنرالات الاحتلال ... (وأن) ... المحتلين لا يتفاوضون إلا مع من يبرأ من المقاومة وينبذها»
فمن القاصر الذي تنازل ولحق بمشروع الآخر وعبَّر عن رغبته وعزمه على « المشاركة السياسية في كل شيء»؟ وبأي مشروع ستشارك «حماس» حركة « فتح» وفصائل منظمة التحرير: بـ « تطبيق الشريعة» أم بـ «التسوية»؟ أم بتوسل حاخامات اليهود العنصريين لإنصاف الشعب الفلسطيني كما يرى د. ناصر الدين الشاعر نائب إسماعيل هنية رئيس الحكومة المقالة في «
رسالة مفتوحة إلى السادة قادة إسرائيل – 14/7/2008»؟ وما الذي تمخض عن سياسات «حماس» وسوء خياراتها السياسية سوى الحصار والجوع والتهديد اليومي والقتل وإغراء إسرائيل بحرق غزة والتنازل عن الميثاق والتخلي عن الشريعة؟ وماذا بقي من دفاعات للحركة بعد أن أوقفت العمليات الاستشهادية وحرصت على عقد اتفاقات التهدئة مع إسرائيل وفرضها على الفصائل والجماعات الجهادية؟
2) الانقلاب العقدي
لم يكن من أساس للتعاطف الشعبي الواسع مع «حماس» إلا لكونها حركة مجاهدة لا تقبل بالتنازلات ولا بالتسويات ولا بالتفريط بهوية فلسطين باعتبارها قضية عقدية وأرض وقف إسلامي. لكنها الآن تتحول من جماعة جهادية إلى جماعة تبحث عن التسوية بكل ما أوتيت من قوة. فمن جملة تصريحات مثيرة للجدل لقادة «حماس» أجمعين نورد تصريحات خاصة أدلى بها د. أحمد يوسف مستشار إسماعيل هنية لصحيفة «
الشرق الأوسط» في 14/3/2007 والتي اعترف فيها أن: « فكر حماس قد يشهد تحولات أيديولوجية خلال الفترة المقبلة»، موضحا بأن « قراءة المشهد السياسي قد تؤدي لتغيير بعض من فكر الحركة، خاصة أن السياسة قد تأتي بما نطالب بالإتيان به عن طريق المقاومة المسلحة، إذن لا داعي لزخم العمل المسلح، فلنحاول بالسياسة، فإن لم يتحقق ما نريده فلنعد إلى المقاومة مرة أخرى، فكوادرنا موجودة». ومن جهتها أعلنت «حماس»، بلسان
خالد مشعل في 9/6/2009، أنها: « لن تكون عقبة أمام أي تحرك جاد ينهي الاحتلال الإسرائيلي ويؤدي إلى قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة على الأرض وعلى الحدود (1967) وعلى كل مظاهر السيادة».
ثم صارت «حماس» تتحدث عن كونها «الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه في أية تسوية سلمية» قادمة للصراع مع إسرائيل، بل تعبر بلسان د. محمود الزهار عن استعدادها لحضور مؤتمر دولي للسلام و تتحدى على صفحات
الواشنطن بوست في 17/4/2008 بأنه: «لا سلام بدون حماس». وهي ذات اللغة التي كان يتحدث بها ياسر عرفات في وصفه لمنظمة التحرير الفلسطينية. وفي السياق ثمة عشرات التصريحات من هذا النوع. ولا شك أن لمثل هذا التوجه السياسي ثمنه الذي يجب أن تدفعه «حماس».
وللتأكيد عليه فقد صرح إسماعيل هنية، قبل أربع سنوات، لفضائية
CBS بأنه لن يرسل ابنه في عملية استشهادية، وأنه يرغب في وقف إراقة الدم. وكانت أوساط «الإخوان» والحركة يبررون تصريحات «هنية» بمداراة الغرب خاصة وأنه يتحدث أمام فضائية غربية، وأن لغة الحوار الموجهة لجمهور غربي غير تلك التي تستهدف جمهور مسلم أو متعاطف. لكن منذ ذلك الحين، على الأقل، وحتى الآن لم تنفذ الحركة أية عملية استشهادية ضد إسرائيل. فهل المسالة تخص «حماس» أم إسماعيل هنية؟
وبالمقارنة، فلم يصدر عن د. عبد العزيز الرنتيسي في يوم ما تنصله أو إدانته لعملية استشهادية استهدفت المطاعم والمقاهي والأسواق والحافلات الإسرائيلية في قلب فلسطين، ولم نعرف عنه أنه تنكر لإحداها أيا كانت الجهة المنفذة لها، ورغم إلحاح كافة وسائل الإعلام عليه لإحراجه وانتزاع إدانة منه كنا نسمع عبارة واحدة لم يتخلّ عنها وهي: «لماذا نأسف عليهم؟ فلم نطلب من هؤلاء اليهود المجيء إلى بلادنا»، ولا نظن أن أحدا بوسعه أن يأتي بما يناقض هذا القول المأثور. فلماذا يتنصل إسماعيل هنية من العمليات الاستشهادية ويتنكر لها ويعزف عنها إن لم تكن الحركة انقلبت، فعليا، على ماضيها؟ والحقيقة الصارخة تقول أن اليهود أنفسهم يتحدثون عن وقف حماس لعملياتها الاستشهادية وليس إسماعيل هنية فقط. بل أن اليهود والغرب يشيد بقدرة حماس على ضبط الأمن والأوضاع في قطاع غزة. فهل تجرؤ «حماس»، مثلا، أن تعيد التأكيد على العمليات الاستشهادية كنهج مقاومة مع العذر لها بصعوبة الظروف التي لا تسمح باستئنافها حاليا؟
3) الاسترشاد بالشريعة وانهيار الميثاق
الثابت، في ضوء اللغة الجديدة، أن «حماس» تخلت بصورة تامة عن الشريعة كمرجعية توجه اختياراتها السياسية والعسكرية. بل أنها تخلت عن استخدام أي مصطلح شرعي في الصراع مع اليهود ووظفته في حربها ضد خصومها المحليين كحركة «فتح» والجماعات الجهادية على وجه التحديد. وهذا موضوع آخر يستحق وقفة خاصة في مناسبة أخرى. لكن فيما يخص ميثاق الحركة، على ما فيه من طوام شرعية، فلم يعد يمثل أية مرجعية، بل أن الحركة لا تستطيع حتى التذكير به لا تصريحا ولا تلميحا. ولما سئل أحمد يوسف عن الميثاق بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة قال: إن مرجعية الحكومة هي البرنامج السياسي! وليس الميثاق. فهل هذا هو موقع فلسطين الشرعي في الميثاق؟ لنرى ما يقوله الميثاق.
1) فيما يتعلق بهوية فلسطين يقول الميثاق في المادة 11:
« تعتقد حركة المقاومة الإسلامية أن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها، ولا تملك ذلك دولة عربية أو كل الدول العربية، ولا يملك ذلك ملك أو رئيس، أو كل الملوك والرؤساء، ولا تملك ذلك منظمة أو كل المنظمات سواء كانت فلسطينية أو عربية، لأن فلسطين أرض وقف إسلامي على الأجيال الإسلامية إلى يوم القيامة. هذا حكمها في الشريعة الإسلامية ... ».
2) أما فيما يخص التسوية فيقول الميثاق في المادة 13 ما يلي:
« تتعارض المبادرات، وما يسمى بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية مع عقيدة حركة المقاومة الإسلامية، فالتفريط في أي جزء من فلسطين تفريط في جزء من الدين ... ولا ترى أن تلك المؤتمرات يمكن أن تحقق المطالب أو تعيد الحقوق، أو تنصف المظلوم، وما تلك المؤتمرات إلا نوع من أنواع تحكيم أهل الكفر في أرض المسلمين، ومتى أنصف أهل الكفر أهل الإيمان؟ ولا حل للقضية الفلسطينية إلا بالجهاد، أما المبادرات والطروحات والمؤتمرات الدولية، فمضيعة للوقت، وعبث من العبث، والشعب الفلسطيني أكرم من أن يعبث بمستقبله، وحقه ومصيره ... ».
هل بقي شيء من «أرض الوقف» بعد تصريحات قادة «حماس» وعلى رأسهم خالد مشعل وهو يعلن قبوله بدولة على ما تبقى من فلسطين وتفويضه لأبي مازن بالتفاوض على تسوية بشرط إخضاعها لاستفتاء شعبي؟ وهل ما زالت فلسطين في عرف القيادة السياسية لـ «حماس» «أرض وقف إسلامي»؟ وهل انتفى توصيف الميثاق لـ « الحلول السلمية والمؤتمرات الدولية» باعتبارها « نوع من أنواع تحكيم أهل الكفر في أرض المسلمين»؟ وهل يمكن لـ «حماس» أن تزعم بعد انقلابها على عقيدتها أنها حركة إسلامية جهادية بينما يعترف الغرب ذاته أنها تتحدث بلغة علمانية؟ لا بأس. فلتتحدث «حماس» إذن بلغة علمانية كما تشاء! وتفاخر بأنها حركة تحرر وطني! لكن ليس من حقها أن تزعم ما ليس فيها.
4) السيطرة على غزة واحتكار قرار المقاومة والجهاد
وحتى مشاريع التهدئة مع إسرائيل ليست الفصائل الأخرى فيها إلا شاهد زور. وباعتراف الإسرائيليين فإن «حماس» هي التي تضبط الأمن في غزة وترعى الاتفاقات الموقعة معها. وهي التي تنشر مخابراتها ورجال أمنها على امتداد خطوط التماس وتراقب كل من يقترب منها، بل وتعتقل وتطلق النار على من يخالف أوامرها بحجة عدم جرّ القطاع إلى مواجهات متهورة مع قوات الاحتلال حتى بعد محرقة غزة. وهو ما لم يفعله عرفات حين كان يفاوض على استلام المدن الفلسطينية خاصة في الضفة الغربية. وسيكون لهذا الموضوع بالذات نصيب وافر من المناقشة والتحليل في موضع آخر.
رابعا: القتال في المربع الأخير
لا شك أن للتيار الجهادي العالمي مشروعه المتكامل والمؤسس على الأطروحة العقدية دون تدخل أو استرشاد بأية فلسفات وضعية أو ثقافات أجنبية. وبغض النظر عمن يخالف القول أو يعترض عليه، لكن هذه هي الحقيقة. فهل بعد كل الانقلابات الأيديولوجية والعقدية؛ يمكن القول بأن «حماس» أو «الإخوان» لهم مشروع وطني أو عقدي؟!!! الجواب بالنفي القاطع. فمن يتخلى عن مرجعيته ويندرج في الأطر الغربية لا يمكن أن يزعم امتلاكه لمشروع سياسي أو عقدي أو يرفع شعارا غير شعار سياساته الراهنة. ولا يمكن لمن يزعم أنه حركة إسلامية ويلتزم بالأطروحات الوضعية والفلسفات الدنيوية أن يزعم امتلاكه لمشروع على مستوى الأمة، ولا يمكن لمن يجاهد في سبيل التسوية ويقف على أبواب الغرب منتظرا السماح له بالدخول في اللعبة السياسية أن يتحدث عن مصالح أمة.
والأهم من كل ذلك أن اندراج الجماعة في ميادين الحروب الأمريكية أو الفلسفات الغربية واللقاءات الماروثونية، السرية والعلنية، مع زعماء الغرب في غزة وبيروت ودمشق وسويسرا سيجعلها قطعا خارج أية ولاية على الأمة. ولأنها جماعة خذلت الأمة وحصرت نفسها في مربع العداء لها ولقواها من شتى الأطياف فلم يعد لها أية خيارات إسلامية أو وطنية يمكن الركون إليها ناهيك عن الثقة بها. فما فعلته حركة «حماس» من مذابح في غزة وخاصة في مسجد ابن تيمية أفقد الجماعة هيبتها وكشف عوراتها لمن يعلم ومن لا يعلم خاصة في تشويهها للضحايا والطعن بهم بعد قتلهم.
بل أن قسوتها وانتهاكاتها الوحشية واستخفافها بدماء الناس وحقوقهم وضربها للقوى السياسية والجهادية في غزة كشف بما لا يدع مجالا للشك أن الحركة مندرجة في سياق الأطروحات الغربية والتسويات. وهذا يعني أنها ستكون مطالبة بإثبات قدرتها على اللعب وفق الشروط الغربية. وما فعلته في رفح هو انكشاف للوجه الدموي الذي ظل متواريا خلف مقاومة إسرائيل، وانكشاف المزيد من مواقف المرقعين الذين قدموا لها الغطاء الشرعي في ارتكاب الجرائم والمزيد منها لاحقا.
ومع ذلك فلا «الإخوان» ولا «حماس» في موقف ضعف. فالغرب عازم أولا على استنزاف الأيديولوجيا «الإخوانية»، عقديا وإعلاميا وسياسيا وأمنيا، من أي عداء للغرب وإسرائيل حتى الرمق الأخير، وعازم على خلق تيار في صلب الحركة ذو مواصفات «دحلانية» بدأت ملامحه تظهر للعيان في بعض الشخصيات «الحمساوية»، قبل أن يتفضل عليهم بشهادة حسن السيرة والسلوك. أما قصة رفض الاعتراف بإسرائيل والتعلل بالهدنة فهي خداع عظيم للأمة. فلن تعدم الجماعة ولا «حماس» ولا الغرب الوسيلة لإيجاد مخرج بحيث تبقى الجماعة فيه في الإطار الإسلامي للتغطية على انقلاباتها العقدية، وعلى العكس من ذلك فبقائها حركة إسلامية ولو صوريا سيحقق لإسرائيل والغرب مكاسب لم يحلموا بها لجهة فوزهم باعتراف شرعي وليس علماني هذه المرة، فضلا عن العيش الآمن لعقود قادمة سواء عبر هدنة طويلة قد تصل إلى ثلاثين عاما وفق بعض الأطروحات أو عبر الاعتراف التدريجي أو عبر تضليل الأمة وخداعها وتخريب عقول الأجيال القادمة أو عبر فرض التسوية بقوة «فقه الجهاد» وأمثاله.
وهنا مكمن الخطر، حيث ستتمتع إسرائيل بغطاء شرعي للمصالحة معها من قِبَل مشايخ «الإخوان» وزملائهم ومن يدور في فلكهم لتمرير التسوية القادمة بموجب مصطلحات وفتاوى شرعية. وحينها ستقع الأمة في متاهة وفتنة عظيمة كون التسوية تحظى، هذه المرة، بمباركة من علمائها. وعليه فإذا ما استمرأت «حماس» السير في هذا الاتجاه، دون أن تجد من يردعها، فسيعني ذلك انحيازها الفاضح ضد الجهاد ومحاربته في فلسطين بكل أشكاله وتياراته وانكشافها الكامل على الأمة، وسيعني أيضا، وهو الأهم، أنها تقاتل الآن في المربع الأخير.
مقالات ذات صلة
* الإخوان والغياب الطويل عن الساحة (1)
* الإخوان وإدانة الجهاد العالمي (2)
*************************************
روابط ذات صلة
1)
http://www.alquds.ws/audio/osama_hamdan/2008/hamdan_29_10_08.zip
2)
http://www.alkrama.com/mkablat/mkablat62.htm
3)
http://www.alzaytouna.net/arabic/?c=129&a=69194
4)
http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=410527&issueno=10333
5)
http://www.alquds.com/node/167229
6)
http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2008/04/16/AR2008041602899.html
7)
http://www.cbsnews.com/stories/2006/03/16/eveningnews/main1414076.shtml