قبل سنوات قليلة جدا كان من الممكن ملاحقة النشاط الإعلامي لقادة القاعدة وحتى النشاط العسكري لها في بضعة ساحات. لكن منذ أعلنت الولايات المتحدة عن استراتيجيتها الجديدة في أفغانستان في شهر شباط / فبراير 2009، والتي تغيرت ثلاث مرات في بضعة أسابيع، صار من الصعب تغطية كل ساحة على حدة، بما تستحقه من تحليل، بسبب سرعة الأحداث والتغيرات الجارية وكثافة المادة الإعلامية الرسمية سواء من طرف الجماعات الجهادية أو حتى من طرف القوى الدولية.
ورغم الخسائر الفادحة في قيادات التيار الجهادي إلا أن د. جون بطرس، أحد الراصدين، لفعالياته كتب مقالة عنونها بخلاصة ما يراه: « عَامٌ مِنَ الأَفْرَاحِ لاَ يُكَدِّرُهُ شَهْرٌ مِنَ الأَحْزَانِ – 6/6/2010» متسائلا عما إذا كانت سلسلة الوقائع التي رصدتها المقالة: « تدخل ضمن أهداف القاعدة وحلفائها في استنزاف العدو أم أنها تدخل في مرحلة جديدة لها ما بعدها؟». من جهته أجاب الزميل عبد الإله الشائع على السؤال بالقول أنها مرحلة: « ما بعد القاعدة»! ومع أننا نتحفظ على هذا التقييم من حيث كونه صحيح إلا أن صحته نسبية. إذ أن القول بـ « ما بعد القاعدة» سيعني بالضرورة أنه ثمة علامة بارزة أحدثت فارقا جوهريا في قدرة التيار الجهادي العالمي على قلب الموازين ولو في إحدى ساحاته. فكلمة « ما بعد = post » تعني تطورا استدعى حدوث قطيعة مع النماذج السابقة، وهذا لم يحدث حتى اللحظة. إذن ما الذي يحدث وسط هذه الأحداث التي تحبس الأنفاس؟
الذي يحدث واقع، بلا شك، في صلب الدورة التاريخية، دورة التدافع الإنساني. وهو في صلب القاعدة والجماعات الجهادية التي تدور في فلكها ليس سوى الخداع بعينه. فالقاعدة التي هددت أكثر من مرة بلسان قياداتها العليا بفتح جبهات جديدة إنما تمارس في الواقع خداعا حربيا في قلب المعارك الضارية التي تخوضها في عدة ساحات إسلامية ودولية. وفيما عدا الجزيرة العربية حيث أعيد ترميم التنظيم ودمجه في بنية واحدة فإن القاعدة في الصومال وأفغانستان والعراق وحتى باكستان والجزائر (1) سعت إلى تأمين مناطق التواجد وتوسيع مناطق النفوذ و (2) كثفت من فعالياتها العسكرية والأمنية و (3) ركزت ضرباتها و (4) ووسعت من نطاق المواجهة لتشمل كل ما تراه قوى معادية مع تحييد ما يمكن تحييده، وهو عين ما هددت به طالبان ومارسته فعليا على الأرض منذ أقرت الولايات المتحدة استراتيجيتها الجديدة، وشرعت في تطبيقها على ولاية هلمند أواخر شهر حزيران / يونيو 2009.
لعل أبرز ما يمكن ملاحظته في مختلف ساحات المواجهة هو ذلك التزامن لفعاليات القوة. فلم نعد نراقب ساحة نشطة وأخرى ضعيفة كما كان الحال سابقا. وهذه وضعية غير مسبوقة في نشاط التيار الجهادي. وبلا شك فإن مثل هذا التطور لا يمكن نسبته إلى عامل « الصدفة » بقدر ما يبدو عملا منظما ومدروسا بعناية فائقة. ولأنه كذلك؛ فلا مفر من التفتيش عن أسباب أخرى تساعد في تفسير هذا النهوض حتى وإنْ بدت لنا ولغيرنا خفية.
ليس بعيدا أن نعمد، لاحقا، إلى معاينة الساحات الثلاث، العراقية والأفغانية والصومالية، لكن قبل ذلك لا بد من التنويه إلى أن خطاب د. أيمن الظواهري الأخير: « القدس لن تهود – 19/7/2010 » كان مثيرا بحق ومدهشا وحتى مرعبا إذا ما تم وضعه في سياق التزامن خاصة وأن الرجل تحدث عن القدس بصيغة الجزم، وكأن الشأن الفلسطيني قد آن أوانه، والأهم أنه افتتح الخطاب بـ « البشريات» عن « فتح قريب» في أفغانستان، وعن دولة العراق الإسلامية باعتبارها « الأمل الحقيقي» أو عن الصومال التي بات وقع فعالياتها أشد حرارة من أي صيف مضى. وهنا بالضبط يمكن الحديث، لاحقا، عن « علامة فارقة» وحاسمة أو عن مرحلة « ما بعد القاعدة» بلغة « الشائع» أو عن « المرحلة الجديدة» بلغة د. جون بطرس.
جزاك الله خير دكتورنا أكرم على هذه الملاحظة ... ولقد كنا ننتظر تحليلك لمقالة الدكتور جون بطرس ...
[محارب] [ 28/07/2010 الساعة 11:41 صباحاً]
بسم الله، والصلاة و السلام رسول الله
أشكرك كثيرا د.أكرم وجزاك الله خيرا عنا
وقوفك وملاحظتك في منتهى الأهمية.
أؤيدك في تحفظك على قول الأخ الشائع « ما بعد القاعدة» بل وأشدد على خطورة هذه العبارة وخطورة انتشارها. فتنظيم القاعدة هو القائد للتيار السلفي الجهادي وقادة التنظيم هم بمثابة قادة ورموز هذا التيار، وهذه عبارة تفقده القيادة وتوحي بانقضاء نحبه دون أن تخرج قيادة أخرى أقوى منه تمسك براية الجهاد وتكمل المسيرة. إن هذا أمرا له عواقب سلبية على أبناء التيار والمنتمين للفكر السلفي الجهادي حيث يشعرهم بالتشتت وفقد القيادة. وكذلك المجاهدين ممن يحملون الفكر السلفي الجهادي، حيث تسعى الجماعات الجهادية في شتى بقاع الأرض إلى مبايعة القاعدة والقتال تحت رايته. فمن سيبايع هؤلاء إذن؟
فلنترك الأمر إذا لـ \" الدورة التاريخية، دورة التدافع الإنساني\" كي تبرز لنا قيادتنا في الوقت الذي يجب أن تظهر فيه ولا نستبق الأحداث.
*************************
أخي الكريم
ليس هذا ما أقصده
فالعبارة صحيحة نسبيا في الوقت الحالي، وأظن أن الزميل عبد الإله قصد فيها أن الجهاد بات مسؤولية أمة وليس مسؤولية القاعدة وحدها. وهنا بالضبط مكمن تحفظي. إذ أن بعض الأعمال ذات الطابع الفردي لا تعني أن الأمة دخلت مرحلة ما بعد القاعدة ولو أنها من المؤشرات. أرجو أن يكون الأمر قد توضح.
مع الشكر
د. أكرم حجازي
[جندي التوحيد] [ 28/07/2010 الساعة 7:12 مساءً]
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أستاذ أكرم
بارك الله فيك وأعانك على رؤية الحق والصدع به
وحفظك من كل سوء ومكروه فعلا تحليلاتك منصفه وتدل على طيب معدنك وأيضا نزاهتك.
فقلمك أشد على الأعداء والمرجفين والمنبطحين من المدافع
فواصل مسيرتك ورصدك واعلم بأن هنالك من يطالع ويقرأ ويستوعب فأنت نبراس للحق
فسر على بركة الله والله هو الحافظ وهو النصير
[بو عبد] [ 31/07/2010 الساعة 1:39 صباحاً]
السلام عليكم
كيف الحال د.أكرم فعلا ملاحظة لا بد منـها
ننتظر تحليلاتك
وعندي سؤال لك من خلال نطرتك للواقع العربي هو " هل الدخول وتصفح المواقع الجهادية يعد جريمة في ظل ما يسمى الديمقراطية وحرية الرأي "
مرحلة ما بعد القاعدة ليست نظرة دقيقة . إذ أن القاعدة تملك الفكر الجهادي السلفي أكثر مما تملك من الأسلحة. بالرغم من تنوع الجبهات في الوطن العربي ككـل إذ إنها بايعت اسامة بن لادن من مبدأ الحاكمية للـه وهو نفس المبدأ الذي يعمل من اجله تنظيم القاعدة أعتقد حتى لو قتلوا القادة وضعفت الجبهات او تلاشت القيادات سيبقى شق واسع جدا بين الاسلام المسير برعاية أمريكية والاسلام الرباني وسيستمر تناثر اشلاء المارينز بأيد القاعدة او بايدي جماعات سلفية اخرى .
أمــا بالنسبه لخطاب ايمن الظواهري فاعتقد هي خبط ليحرك المشاعر ويجدد الامل إذ انه بعد كل هذه السنوات لم تستطع القاعدة ان تترجم افكارها على واقع ارض فلسطين أو على الاقل غزة إذ ان السوق اصبح مثقل بالجماعات ولا يتحمل المزيد,
لا اتوقع انه ستكون هنالك مرحلة ما بعد القاعدة إذ انه ليس من المنطقي ان نتكلم في مرحله ما بعد القاعدة والقاعدة ما زالت تجثو على صدر اوباما وكرزاي ولا يلوح في الافق اي امل سوى اغتيالات لقيادات رفيعة لم تطل لغايه هذه اللحظة بن لادن والظواهري !
هل بانتهاء الزعيمين بن لادن وايمن الظواهري سيكون اي تأثير في سير ومنهجيه الحركة ؟
هذا انا استطيع ان اسميه بمرحله ما بعد القاعده هل سيتغير الفكر هل سيتغير الاسلوب ؟
الله اعلم ؟
[منصور العماري] [ 31/07/2010 الساعة 8:12 صباحاً]
في اعتقـــــادي الشخصي اننا نستطيع أن نقول على هذه المرحلة أنها بين هذه الفترة وفترة ما بعد القاعدة . وبالنسبة لما اشـرت إليه من أنه لاتوجد ثمة علامة بارزة تبين قدرة التيار الجهــادي على قلب الموازين. في هذه النقطة اخالفك الرأي لأن الحادي عشر من سبتمبر احدث فارقا كبيرا كما ان فتح جبهــات جديدة وفروع جديدة للتنظيم اصبح كمنافس قوي أمام اعتى دول العالم مجتمعة ولا أقول امريكا فقط , بل نستطيع القول انه تفوق على الاتحاد السوفيتي (المعسكر الشيوعي ) من الناحية الاستخباراتية والعمليات النوعية وغيرها . بل ان التنظيم قام يطرح الدين الاسلامي ولو بشكل آخر "في طريقة الطرح اقصد " كنظام رباني فنراهم يتكلمون عن طبقة الاوزون والاحتباس الحراري والاقتصــاد والقضاء .
لذلك اقول ان القاعدة أصبحت تنتهج النهج العالمي والخطاب الذي يصل إلى اصحاب العقول قبل اصحاب القلوب .