شنت عشرات الطائرات الحربية الإسرائيلية، قبيل ظهر 27/12/2008، هجوما جويا مباغتا، في بضع دقائق، على أكثر من ثلاثين موقعا قتلت فيه دفعة واحدة أكثر من 150 شرطيا فلسطينيا في قطاع غزة. ولم يتبق شخص واحد إلا وفوجئ بحجم الهجوم وعدد الضحايا غير المسبوق. والحقيقة أن الهجوم قد يكون مفاجئا لغير المتابع لكنه بلا شك كان متوقعا في كل لحظة خاصة لأصحاب القرار. فالقراءات السياسية كانت تنبئ به، حتى أن بعض المعلومات التي كشفت عنها الصحف الإسرائيلية لاجتياح غزة تحدثت عن عدة سيناريوهات أقلها ضراوة توقعت مقتل 800 مدني. ومع ذلك لم يكن هذا هو المؤشر الوحيد على عزم إسرائيل مهاجمة غزة. فقد سبقته مؤشرات عديدة لم تكن تصريحات المأدبة الرمضانية الفاخرة لمدير عام الأمن الوطني في الضفة الغربية ذياب العلي (أبو الفتح) إلا من بواكيرها الأولى حين هدد بـ: \"استعادة غزة بالقوة\" ووصفه الانتفاضات الشعبية (الأولى والثانية) بأنها جلبت الويلات على الشعب الفلسطيني، وكان الأولى به أن يهدد بتحرير الضفة من إسرائيل بدلا من تحرير غزة من حماس. وعليه فلا بأس من القول، رغم الألم، بأن الضربة الجوية المفاجئة على مقرات الأمن كانت خطأ فادحا وقعت به قيادة حماس بقدر ما كانت غدرا شجعت على ارتكابه مصر بامتياز. لنعاين بعض المؤشرات الأكثر صراحة ودقة.
1) إسرائيل
في الثامن عشر من شهر كانون الأول/ ديسمبر 2008، وبعد انتهاء التهدئة، تناقلت وسائل الإعلام خبرا نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية مفاده أن دولا عربية طالبت إسرائيل بـ \"جز رؤوس قادة حماس وفصلها عن أجسادها\". وسرى الخبر في النار كالهشيم خاصة وأنه أُخذ على محمل الجد حتى لو كان مصدره صحفا إسرائيلية. بل أن التغطية الواسعة النطاق للخبر لم تترك ذرة شك في صحته، وكان من الواضح أنه ليس خبرا بقدر ما هو رسالة توطئ لما هو قادم من تصريحات عربية تمهد للهجوم الإسرائيلي.
وذهبت الصحيفة أبعد من ذلك حين تحدثت عن تلقي إسرائيل رسائل من \"محافل رفيعة المستوى\" في دول عربية شجعتها على استئناف عمليات الاغتيال في قطاع غزة واستهداف القيادة السياسية والعسكرية لحركة حماس. ومن بين القيادات المستهدفة، بحسب الصحيفة، شخصيات سياسية في مقدمتها إسماعيل هنية وسعيد صيام ومحمود الزهار و د. جمال الخضري وأخرى عسكرية مثل أحمد الجعبري ومحمد ضيف وإبراهيم غندور. فمن هي الدول العربية المقصودة؟
قبل يومين من الهجوم الجوي (25/12/2008) وصلت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني إلى القاهرة. وفي أعقاب مباحثاتها مع الرئيس المصري حول الوضع في غزة لم تتوانى لحظة عن توجيه التهديدات من قلب مصر وعلى مرأى من وزير الخارجية ومسمع منه دون أن يرتد له طرف أو يرد عليها أي مسؤول مصري، ببساطة قالت ليفني: \" لقد طفح الكيل، الوضع سوف يتغير\". وخلال المؤتمر الصحفي مع وزير الخارجية أحمد أبو الغيط تعهدت بإنهاء سيطرة حركة حماس على غزة. وأضافت: \"لسوء الحظ يوجد عنوان واحد لوضع سكان قطاع غزة وهو حركة حماس، فحماس تحكم سكان غزة، وحماس قررت استهداف إسرائيل، وهذا شيء يجب أن يتوقف، ونحن عازمون على فعل ذلك\".
2) مصر
ومن جهتها تلقت صحيفة \"القدس العربي\" اللندنية، قبل بضعة أيام من الهجوم على غزة (24/12/2008)، معلومات تفيد بأن المصريين استشاطوا غضبا من موقف حماس الرافض لتجديد التهدئة بلا أية شروط ومقاطعتهم للحوار في القاهرة. وخصت الصحيفة بالذكر وزير المخابرات المصرية اللواء عمر سليمان الذي شعر بالإهانة ورفض التدخل لدى حركة حماس لإقناعها بتجديد التهدئة بناء على طلب قدّمه عاموس جلعاد المسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية خلال لقائهما في القاهرة قبيل انتهاء موعد التهدئة. فأن يشعر المستر سليمان بإهانة فقد نتفهم ذلك بالنظر على حجم مصر ومكانتها وإمكانياتها، أما أن يرفض الوساطة فلأنه لا يرغب هو بالذات في تهدئة مع حماس بقدر ما رغب في الانتقام لكرامته .. ويا لها من كرامة يستردها عبر إسرائيل بعد أن عجز عن استردادها بنفسه!
فقد نقلت الصحيفة ذاتها عن قيادات فلسطينية قولها أن عمر سليمان أبلغهم بأن خالد مشعل \"وعصابته\" سيدفعون ثمن هذا الموقف، وخلال لقائه جلعاد قال له: \"إنّ قيادة حماس أصابها الغرور، وهي تتعامل مع مصر بفوقية واشتراطات، وأنه لا بدّ من تأديب هذه القيادات، حتى تستفيق من أحلامها\". ثم عادت الصحيفة في اليوم التالي للهجوم (28/12/2008) لتكشف، هذه المرة بحسب مصادر دبلوماسية عربية وصفتها بالوثيقة وليس فلسطينية، أن عمر سليمان كان قد أبلغ عواصم عربية بأن إسرائيل ستشن هجوما محدودا على قطاع غزة من أجل الضغط على حركة حماس لإجبارها على القبول بالتهدئة بدون أية شروط مسبقة. وهو تصريح يتوافق مع ما أعلنه أكثر من مسؤول إسرائيلي ليست ليفني وأولمرت أولاهما ولا وزير خارجية إسرائيل الأسبق شلومو بن عامي آخرهما، بل أن صحفا إسرائيلية من بينها هأرتس (31/12/2008) نقلت عن أولمرت قوله خلال محادثات أجراها معه زعماء دول أجنبية اتصلوا معه في الأيام الأخيرة: \" إن زعماء عرب يحثوني على عدم وقف العملية العسكرية والاستمرار في توجيه الضربات العسكرية ضد حماس\".
لكن الموقف المصري كان قد ذهب أبعد من الانحياز للأطروحة الإسرائيلية وأوغل عميقا في محاصرة غزة وتضييق الخناق على السكان وتجويعهم وتدمير الأنفاق على رأس روادها، مدنيين كانوا أو عسكريين، ودفع المقاومة إلى الاستسلام بأي ثمن كان، وذهب أبعد من تسويغ الهجوم الإسرائيلي .. فهو أيضا مارس غدرا صارخا ضد غزة. ففي أعقاب الساعات الأولى على الهجوم ذكرت مصادر حركة حماس أن الحركة تلقت ضمانات مصرية قبل أقل من 48 ساعة بعدم نية إسرائيل مهاجمة غزة، بل ووجهت دعوة إلى قادة الفصائل الفلسطينية لزيارة القاهرة واستكمال الحوار بشأن تجديد التهدئة. وفي اليوم التالي أكدت مصادر في الحركة مقربة من د. محمود الزهار ذات الرواية لصحيفة القدس العربي مشيرة إلى أن: \"مصر اشتركت في خديعة حماس والتغرير بها\" مما تسبب في هذه العدد الكبير من القتلى في اليوم الأول للهجوم. إذا ينقل عن الزهار أن الحركة كانت قد أمرت بإخلاء المقرات ولم ترجع إليها إلا بعد التطمينات المصرية الخادعة التي تلقتها الحركة ليلة الجمعة.
3) قطر
بل أن الحركة تلقت بالتأكيد ضمانات من قطر بعدم وجود نية جدية لإسرائيل في مهاجمة غزة. فمن جهته عتب الشيخ حمد بن جاسم رئيس مجلس الوزراء القطري ووزير خارجيتها في لقاء مباشر على قناة فوكس الأمريكية مساء يوم الهجوم (27/12/2008) على الإدارة الأمريكية التي كانت حاضرا وشاهدا على اجتماع وفد قطري رفيع المستوى بوفد إسرائيلي كبير في واشنطن قبل أسبوع من الهجوم حيث تلقت فيه قطر تأكيدات من الجميع أنْ لا نية جدية لدى إسرائيل بمهاجمة غزة أو المساس بحركة حماس، مشيرا أن قطر أبلغت الموقف لحماس بهدف طمأنتها والحفاظ على هدوئها الذي أبدته في الأيام القليلة الماضية التي سبقت الهجوم الإسرائيلي.
واعتبر الشيخ حمد بن جاسم أن الهجوم على غزة ضرب مقرات حماس يمثل ضربة حقيقية لأواصر الصداقة والمحبة بين إسرائيل وقطر وإحراجا كبيرا للحكومة القطرية التي عملت جاهدة خلال الأعوام الماضية على احتواء وتطبيع كل بؤر وحلقات وجماعات التوتر والتوتير في المنطقة العربية بأسرها.
4) روسيا
منذ فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي في كانون الثاني/ يناير 2006 تبنت روسيا موقفا مغايرا لموقف الدول الغربية حين عارضت صراحة فرض عقوبات على الحركة واستقبلت رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل في موسكو مرتين. ومن حقها أن تفعل ذلك خاصة وأنها لن تمانع في أن تكون حاضرة في المنطقة بدعوة شبه رسمية من حركة حماس. لكن الموقف الروسي كعادته في الأزمان الغابرة إبان الاتحاد السوفياتي سرعان ما يتخلى عن حلفائه إذا ما اتجهت الأمور على التصعيد وكسر العظم كما حصل خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982 أو مهاجمة العراق في حرب الخليج الثانية سنة 1991 واحتلاله في الثالثة سنة 2003، لهذا ليس جديدا أو مفاجئا أن تغير حاله في أقل من سنتين، فخلال زيارته لموسكو بتاريخ 29/7/2007 تلقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس دعما من موسكو حين أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعمه قائلا له: \"بودي التأكيد على أننا سندعمكم بصفتكم الرئيس الشرعي للشعب الفلسطيني\".
وقبل الهجوم على غزة ببضعة أيام (22/8/2008)، وخلال زيارة جديدة للرئيس الفلسطيني لموسكو، أعلن الروس مجددا أنهم يؤيدون السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، وقبل لقائه الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف كرر وزير الخارجية سيرغي لافروف تصريحات بوتين السابقة بأن: \"القيادة الروسية تساند وتدعم الرئيس عباس الرئيس الشرعي للشعب الفلسطيني كله\"، و \"كله\" هنا تعني غزة والضفة الغربية بما يعني أن دور حماس في غزة لم يعد مقبولا ولا مرحبا به. بل أن الموقف الروسي هذه المرة كان واضحا بما لا يحتمل أي لبس حين طالب حماس، بعد انتهاء الهدنة، بضرورة نبذ \"الإرهاب وأي عنف\" ومتحدثا عن \"استفزازاتها\" ضد إسرائيل باستئناف \"هجماتها الانتحارية\". كل هذه التصريحات الروسية كانت إنذارا واضحا لحماس بأن الروس قد رفعوا غطاءهم السياسي عنها وتبنوا الأطروحة الأمريكية الرافضة للاعتراف بأية مقاومة كانت.
لا ريب أن حماس كانت على صلة واطلاع على كل المعطيات التي سبقت الحرب ومثلت أكثر من جرس إنذار، ولا ريب أن المعطيات إياها وغيرها كثير؛ كانت تشير بصورة جلية إلى أن المنطقة واقعة تحت أقصى درجات الاستنفار السياسي والدبلوماسي استعدادا للحرب القادمة. ومع ذلك تلقت حماس خديعة سياسية ما كان يجب أن تقع لو لم تركن إلى الذين ظلموا والذين لا عهد لهم ولا أمان.