إذن أثبتت الحرب على غزة أن الدولة العربية مجرد خلاصة لمعاهدة استعمارية نفذتها بريطانيا وفرنسا أوائل القرن العشرين عرفت بمعاهدة سايكس – بيكو. كما أثبتت أن المجتمع العربي هو الآخر مجرد خلاصة لمجتمع عثماني قديم غزته الخرافات والأساطير وغيبت الشريعة عن مجرى حياته. وبالتالي فكل ما لدينا خلاصة وطنية .. قومية .. عائلية .. قبلية .. طائفية .. مذهبية .. عربية .. إسلامية .. هي باختصار خلاصة هجينة من خليط عجيب ليس له أية أصالة ولا يقوى على فعل شيء يذكر.
لا شك أن أطرف ما في هذا الخليط أننا نجد من يباهي بانتمائه الوطني والعربي ويفاخر بقبيلته ويدافع باستماتة عن طائفته وتجده، في ذات الوقت، يساري العقيدة وأمريكي الهوى وشيعي أو سني المذهب. ونجد من يكتفي بتوليفة واحدة أو يجمع بين اثنتين أو ثلاثة، ونجد من لا تجتمع به حتى توليفة واحدة فتجده فرحا حين يطلق على نفسه بأنه دهري، فيا لها من توليفات ويا لها من شخصية! لكن ألا ينطبق هذا الخليط على العلماء الشرعيين؟
الحقيقة أنه ينطبق عليهم قطعا. فهم جزء من التركيبة الاجتماعية والذهنية السائدة. وبصيغة من الصيغ، شئنا أو أبينا، لدينا علماء سلاطين لا يبدو أن الموضوع العقدي الأبرز في علمهم أكثر من الانتصار لولي الأمر (الجامية والمداخلة والصوفية والمرجئة بتيارها السلطاني ... )، أما علماء الجماعات والتيارات فموضوعهم العقدي هو الجماعة أو الحزب أو التنظيم (الجماعة الإسلامية في الباكستان والإخوان المسلمين وحزب التحرير والسروريين ...)، بينما علماء العلم همهم منصب على الفقه وتصدير علمهم في الكتب (السلفية العلمية أو التقليدية) ...
فيما عدا القسم الأول ممن انحاز إلى الحاكم وهو قليل؛ وفيما عدا القلة القليلة غير الخافية فإن الغالبية الساحقة من العلماء لم تظهر لها أية آثار في أعظم النوازل التي تحل في الأمة. وبالتأكيد لم تكن نازلة الحرب على غزة استثناء. ولا يعني أن الحراك بين شريحة العلماء منعدم سواء قبل الحرب أو بعدها. فقد ظهرت فتاوى "جريئة" من علماء لم نعهدها عليهم من قبل. لكن السؤال هو: هل الحراك المقصود طارئ؟ أم عقدي؟ ولمن يتوجه؟
أولا: حلقات الحراك
كانت تيارات السلفية الجهادية أول من بادرت في لفت الانتباه إلى وجود حراك بين العلماء. وبما أن مصر والسعودية هما من تصدرتا الحرب على المقاومة والتيارات الجهادية في العالم محليا وخارجيا فهما بالتأكيد ساحتا الحراك الرئيس الدائر على جبهة العلماء منذ فترة قصيرة من الزمن. وصار لزاما علينا ملاحظة أنه كلما كان ثمة حراك في السعودية فسيكون هناك حراك آخر في مصر بسبب تطابق السياسات من جهة وتطابق الإجراءات من جهة أخرى. إذ أن العلماء والمشايخ مستهدفون ابتداء من التضييق عليهم وانتهاء بالسجن. وعليه فالسؤال ليس عن مضمون الحراك فقط بل عن العلاقة بين الحراكين وخلفياتهما؟
لم يكن غريبا أن يكون الجهاد في أي من الساحات العربية والإسلامية يتيم الولادة والرعاية. فكما سبق وأشرنا إلى أن الجهاد والمقاومة لم يعودا موضع ترحيب منذ ما يقارب العقدين من الزمان؛ ينبغي التأكيد على أن التدخل العربي والإسلامي في الساحات الجهادية لم ينزع الشرعية عن أية راية جهادية فحسب بل وركز على محاربة تيارات الجهاد العالمي حتى قبل هجمات 11 سبتمبر 2001 ثم ما لبثت أن اتسعت الحرب لتشمل ما تبقى من حركات مقاومة عملا بالأطروحة الأمريكية الداعية إلى مكافحة الإرهاب العالمي.
ولا ريب أن هذه الحرب نجحت في تحقيق اختراقات استهدفت عزل التيارات الجهادية التي تقوم عقيدتها أصلا على محاربة ما تعتبره طواغيت العرب والعجم كي يتسنى إلحاق الضرر بها بسهولة. وعلاوة على الخيار الأمني فقد استعملت ضد هذه التيارات أساليب متنوعة كأسلوب "المراجعات" الذي استهدف الجماعات والعلماء على السواء كما حصل، مثلا، مع الجماعة الإسلامية في مصر أو الشيخ سيد إمام. أو عبر التمييز بين عقائد الجماعات وضربها ببعض كما حصل في العراق. أما على مستوى تنظيم القاعدة فقد نشطت محاولات اختراق عبر التمييز بين الرموز القيادية من جهة (رقة بن لادن – قسوة الظواهري) أو بين المسيطرين على التنظيم (المصريين – الليبيين) من جهة أخرى، وثمة محاولات اختراق سياسية ذات طابع وطني تجري منذ عام لفك الارتباط بين القاعدة وطالبان، ومحاولات أخرى تمثلت باحتضان جماعات ونبذ أخرى.
لكن جوهر الحرب على الجماعات الجهادية في مختلف دول العالم استهدف، بالدرجة الأساس، حرمانها من العلماء عبر استبعاد الخطباء وطلبة العلم "المتمردين" من ساحات الجهاد والدعوة والمساجد، كما استهدفت بشدة التضييق على العلماء وتهديدهم أو الزج بمئات منهم في السجون لمجرد تبنيهم خط الجهاد بل وقتلهم مثلما حصل في مذبحة المسجد الأحمر في الباكستان. وذات الأمر حصل في دول أوروبية خاصة في بريطانيا حيث استهدفت، بالسجن أو الإبعاد، شخصيات بارزة محسوبة على التيار الجهادي مثل د. هاني السباعي والداعيين أبي قتادة وعمر بكري وغيرهم.
هذا الوضع من المطاردات والملاحقات والتضييق وكتم الأنفاس أحدث بلا شك فراغا يتوجب ملؤه. فكان من الطبيعي أن تدفع الدول بتياراتها المناهضة للجهاد إلى السطح وتقديم خطاب ديني قوامه إما ربط الجهاد بولي الأمر ربطا محكما بحيث يُرمى، بموجب ذلك، كل مخالف بتهمة "الخارجي" أو "الضال" ، وإما بتنفيس الاحتقان عبر علماء أو دعاة سلفيين ذوو توجهات وطنية، أو بتبعيض الدين عبر اقتصار الخطاب الديني على الدعوة والمناصحة والحوار والتسامح بعيدا عن الجهاد وثقافته. وليس غريبا أن يتسبب الميل إلى المصالحة والمهادنة بظهور الكثير من الفتاوى المنحرفة والمشاريع المشبوهة واللقاءات العفوية مع قادة اليهود على شاكلة لقاء مفتي الأزهر سيد طنطاوي أو حتى توجيه دعوات لهم لحضور ما يسمى بحوار الأديان.
ولا شك أن المسائل الخلافية الكبرى كحوار الأديان أو تكفير المبتدع قد تسببت بظهور تباينات شديدة بين العلماء. لكن على جرأة الكثير منهم؛ ظل علماء السعودية أشد عرضة للضغوط من تلك التي يتعرض لها علماء مصر في ضوء المعارضة الشديدة جدا لنظام الحكم سواء لجهة التوريث أو لجهة السياسات التي عبر عنها البعض بـ "الخائنة" لمصالح الأمة والإسلام والمسلمين أو لجهة توصيف النظام السياسي نفسه بـ "العصابة". وعليه فإذا ما ضاقت الخطوب والمحن على علماء الجزيرة فلماذا لا يتحرك علماء مصر إذا كان ثمة هامش من الحرية يسمح لهم بالتقدم خطوة للأمام؟
في هذه الأجواء يمكن ملاحظة أهمية الشريط الذي أصدرته مؤسسة السحاب للظواهري بعنوان: "الأزهر عرين الأسود - 28/11/2008". فالشريط في تسميته لم يصدر بمناسبة يمكن أن تزيل بعض الغموض الذي غلف خفاياه. لكن المعروف تاريخيا عن الأزهر أنه ظل مؤسسة مستقلة مهيبة الجانب من قبل الدولة إلى أن تم اختراقه في الصميم بدء من النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين. والمعروف أيضا أن لعلماء الأزهر جرأة وشجاعة في الصدع بالحق وتخريج علماء ذوي نزعة ثورية. لكن منذ تولي جاد الحق على جاد الحق مشيخة الأزهر وتعيين سيد طنطاوي خلفا له بخلاف ما درجت عليه العادة من انتخاب داخلي لشيخ الأزهر تراجعت المؤسسة إلى حد خطير وغير مسبوق في تاريخه.
وفي ذات الأجواء كانت مؤسسة رديفة هي جبهة علماء الأزهر تتقدم بخطى ثابتة محاولة استعادة دور الأزهر في نسخته الثورية فأصدرت عشرات الفتاوى بالغة الجرأة. لكن أشدها غرابة تلك الفتوى (29/12/2008) التي تناولت قضية مقتل ضابط الأمن المصري على معبر رفح ثاني أيام الحرب على غزة. وبالتأكيد ليست الحادثة هي التي تسببت باستحضار شريط "عرين الأسود" إلى الذاكرة بل محتوى الفتوى الأزهرية غير المسبوق. فالفتوى وُجهت للضابط "القتيل" ووصفته بـ "البائس" و "الظالم" والمطيع "لأوامر فاجرة وتعليمات جائرة" و "رخيص الدم" والقتيل في "غاية رخيصة" والذي "ضاعت في الضلال حياتك" و "ذهبت حياتك في غير شرف" و "قتلت قتل الصائل" فـ "لا عن عروبة كنت مدافعا ولا لدين كنت عاملا" ... "فإذا بك تسقط فيما سقط فيه ساسة الحزب الذين حادوا الله ورسوله، فاستجاروا بأعدائهم من أوليائهم وإخوانهم".
كل هذه التوصيفات في الفتوى ما كانت لتلفت الانتباه لولا أنها وقعت في نطاق العبارة المثيرة التي ابتدأت بها الفتوى. فالضابط ذهب "في حظ سايكس – بيكو وطاعة غير الله"، وقتل وهو في حالة " الدفاع عن حدود وضع خطوطها الكافرون، الذين قسَّموا أرضنا بما عرف بالمجرمين سايكس بيكو، لينفردوا بنا واحدا بعد الآخر" بينما "أرضنا في دين الله واحدة".
لا شك أن ما ورد في الفتوى يترتب عليه قطعا حكما شرعيا، لكن الأهم أن رائحة الخطاب الجهادي العالمي خيم على الفتوى حكما ورؤية وفكرا حيث لا شرعية لسايكس – بيكو ولا لثقافتها. وغني عن البيان أن سيكون على مصدري الفتوى أن يتقاطعوا مع الأطروحة الجهادية عن سابق إصرار وإلا ما كانت لتصدر باسم جبهة علماء الأزهر. فهل هي صدفة؟ أم هي حقيقة عبرت عنها خطابات الظواهري المتكررة عن الأزهر وعلمائه دون أن يتنبه إليها أحد؟ أم أن علماء الأزهر لم يعودوا يطيقون "زندقة" الطنطاوي وأمثاله خاصة بعد لقائه الحميم مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس مقابل سوقية لغته في الرد على منتقديه وخصومه؟
في ذات اليوم الذي صدرت فيه فتوى الجبهة، وعلى غير انتظار أو مناسبة إلا من رأس السنة الهجرية ويومين على حرب غزة، وجهت جماعة أنصار الإسلام في العراق رسالة إلى علماء الأمة. لكن الرسالة صدرت موقعة باسم أمير الجماعة بعنوان: "من أبي عبدالله الشافعي إلى السادات علماء الأمة الأفاضل".
أما الفتوى فتحاول توصيف واقع الأمة وتغول الأعداء عليها وخاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية مع الإشارة إلى أن المراحل القادمة ستكون أشد وطأة على الأمة مما سبق. لذا وجب الانتباه إلى عجز القيادات السياسية الموجودة ولا شرعيتها وابتعادها عن التوحيد. إذ أن:
" انحراف مناهج ومواقف الأحزاب السياسية والدعوية المنتشرة في مجتمع أهل السنة عن منهج الحق، وقصور إدراك قياداتهم، وقلة تجربتهم، وضعف الوعي الإستراتيجي عندهم، وغيابهم عن ساحة تصور مستقبل الأحداث"،
وهذا الوضع:
"أدى إلى سقوط تلك القيادات أدوات في دوائر صناعة القرار السياسي للطواغيت وبسط السيطرة عليهم منهجياً، وعقدياً، وحشدهم مرتزقة لتقوية واقع ضياع أمة الإسلام، وتغييب هدف إعادة إحيائها، وتجذير حال التقسيم والتجزئة الذي تعاني منه الأمة اليوم".
وتأسيسا على ما سبق يقترح الشافعي على العلماء التقدم لقيادة الأمة. فـ: "الشرع يوجب عليكم أيها السادات":
• " تحرير الخطاب الشرعي من نزعته التقليدية الانتقادية للحكومات الكافرة، وتحريك الأسباب المناسبة لتفعيل مبدأ تعزيز الأصالة في نفوس المسلمين ونشر مبدأ الاستقلال للهوية الإسلامية من منطلق تأريخ الأمة وعقيدتها مجانب للتداخل والتراكب بين الإسلام والوطنية والقومية في تكوين شخصية المسلم، والانتقال للعمل على بناء هيكل تنظيمي يهدف لتنمية الفقه الجهادي يتكفل بتنظيم وتحريك الأجيال القادمة.
• توسيع دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى محيط استعمال القوة القتالية المنظمة القادرة على استبدال أنظمة الحكم الكافرة بنظام إسلامي شامل.
• توظيف كل القدرات العلمية الإسلامية لتمكين الطاقات والأجيال القادمة من القدرة للقضاء على الاستبداد والطاغوتية والجاهلية المعاصرة".
فما الذي جدّ كي يتوجه أحد قادة الجهاد العالمي إلى العلماء داعيا إياهم إلى تبني العمل بفريضة: "الدعوة إلى فقه الجهاد العالمي"؟ و " إعادة النظر في مساحة القتال مع أمريكا، وتبديل جغرافية الجهاد من قتال إقليمي معها إلى قتال الجغرافيا العالمية، وقد آن الأوان لاعتماد هذه الفريضة " الجهاد الإسلامي العالمي".
كان من الممكن أن تمر الرسالة كغيرها لولا أن المطالب التي تضمنتها بدت غريبة خاصة وأن العلماء أطبقوا صمتا تجاه التيار الجهادي العالمي إلا من رحم الله. وإلى وقت قريب كان قادة التيار الجهادي يتواصلون بشكل أو بآخر مع علماء الجزيرة ولا يقطعون حبل الود معهم ولا الاستشارة ولا ينسون لهم فضلا ولا ثقلا أو تأثيرا في الأمة، لكنهم هذه المرة يتجاوزونها ليس قطيعةً بالتأكيد بل الأرجح لتوسيع دائرة التواصل. فهل يمكن توقع تغيرات جوهرية؟
انتفاضة حدث؟ أم انتفاضة عقدية؟
الأكيد أن الخوض في مسألة العلماء سيكشف عن فوضى عارمة وكارثية لا تقل خطورة عما تعيشه الأمة من فوضى وتخبط وضياع، ولهذا يمكن تصور مدى التمزق الذي يقع كلما واجهتنا نازلة. فالعلماء، سلبا أو إيجابا، مختلفون على الجهاد والمجاهدين وعلى التطبيع والمقاطعة وعلى الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية وعلى الأحزاب والتنظيمات وعلى الجماعات والفرق وعلى فلسطين وإسرائيل وعلى المؤمنين والكافرين وعلى المشركين والموحدين وعلى الحكام والمحكومين وعلى أحكام الشريعة والمشرعين وعلى الولاء والبراء وعلى الأعداء والأصدقاء ... ولدينا علماء سلطة وعلماء محايدون وعلماء منحازون وعلماء جهاديون وعلماء منظرون وعلماء أحزاب وعلماء جماعات وعلماء مهمشون وعلماء منسيون وعلماء مسجونون وعلماء "مطعطعون" وعلماء قصاصون وعلماء مشعوذون وعلماء علمانيون وعلماء مسترزقون وعلماء مرتدون وعلماء مجروحون وعلماء زنادقة وعلماء دجالون وعلماء مهادنون وعلماء رقاصون، ... بعض هؤلاء ظهروا على الفضائيات خلال العاصفة أو أدلوا بدلوهم فيما يجري، فمن هي الجهة المخولة، من هؤلاء، بإنزال الحكم الشرعي على النوازل؟
ما يبوح به قادة الجهاد العالمي ومشايخه من مطالب ودعوات ليس من الفلسفات الوضعية أو الأيديولوجيات بقدر ما هي حقائق شرعية واقعة في صلب العقيدة لولا أن الحظر السياسي والأمني والإعلامي كان لها بالمرصاد. وما طرحه الشافعي في رسالته تناوله أحد مشايخ العلم الأكاديميين بصورة منسقة وملفتة للانتباه. ففي مقالة له بعنوان: "يا أصحاب الحجة والبيان... لا تخطئوا العنوان" يقترح د. عبد العزيز كامل، على العلماء، حلا شرعيا للخروج من المأزق الذي تعاني منه الأمة بحيث لا يكون للسياسي وحده حق البت في نوازل الأمة صغيرة كانت أو كبيرة. أما الحل الشرعي فهو التأصيل العلمي والدراسات الفقهية التي تحسم الجدل في القضايا المسكوت عنها. يقول د. كامل في هذا الصدد:
" هناك كثير من أمثال تلك المسائل والنوازل تنتظر فتاوى مؤصلة ودراسات مفصلة، تزيل الحيرة، وتضبط المواقف بضوابط الشريعة ومحكمات العقيدة ...
• نريد مثلا فتاوى وبيانات علمية ـ وليست إعلامية ـ في أحكام التعامل مع ما يسمى بمقررات الشرعية الدولية ...
• ونريد دارسات تقويم شرعي وعقدي لكل ما أصبح شريعة واجبة الاحترام والالتزام من الاتفاقيات والمعاهدات العلنية والسرية التي يبرمها قادتنا السياسيون من وراء ظهر قادتنا الدينيين والفكريين، على الرغم من كونها تخص مستقبل أجيالنا والأجيال من بعدنا، والتي لم يطلب فيها رأي خاصة ولا عامة، قبل إخضاع الأمة لأحكامها، وتكبيلها بقيودها، كاتفاقية المعابر هذه التي صنعت محنة غزة، بحيث أصبح احترامها مقدمًا على محكمات القرآن والسنة وإجماع الأمة! ...
• ونريد تفصيلا من أهل العلم في الأحكام المتعلقة بالآثار العملية لأحكام الولاء للكافرين والعداء للمؤمنين، وما موقع تلك العقيدة في تحديد من معنا ومن ضدنا؟ وهل تعد مسائل تطبيع العلاقات مع المحاربين وتقطيعها مع الموحدين؛ وكف السلاح عن المحاربين في معاهدات سلمية أبدية، بل التخندق معهم ضد المسلمين المقاومين هل كل ذلك من مسائل الاجتهاد الواسعة الأمر أمام ولاة الأمر؟ وهل طاعتهم في هذا الاجتهاد واجبة على عموم الرعية في قطاعاتها المدنية والعسكرية؟ وهل .. وهل .. وهل؟ من الكثير والكثير، مما لا تتسع هذه السطور؟"
خلال الحرب، فقط، برزت أصوات لبعض العلماء كادت تصم الآذان وهي تدعو إلى الجهاد كفتوى الشيخ نبيل العوضي أو عوض القرني وهو يدعو إلى ضرب مصالح إسرائيل في الخارج، أو الفتاوى المدينة للأنظمة السياسية العربية ووصفها بـ "الحثالة" كما فعل د. زغلول النجار في حلقة "المؤامرة" على قناة الرحمة (6/1/2009)، أو كتلك التي عبرت عن غضب عارم وصل حد تكفير الرئيس المصري حسني مبارك كحالة د. وجدي غنيم على فضائية القدس (31/12/2008)، أو حديث الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل على قناة الناس (29/12/2008) وهو يلح على الفرد الخروج من حالة الشعور بالعجز والجمود، أو خطبة الشيخ يوسف القرضاوي بعد الحرب في جمعة 23/1/2009 وهو يصف الحكام العرب بـ: "إنهم لم يعودوا يعبدوا الله. إنهم يعبدون كرسي الحكم. هذه الكراسي هي إلههم الذي يعبدونه إلا من رحم الله فنحن لا نعمم".
ولا نستطيع أن نتجاهل حقيقة أن الكثير من الفتاوى حتى ذات الصبغة الجماعية تجاوزت نغمة النصرة والتضامن والشجب والإدانة والدعاء وغلب عليها طابع الحكم الشرعي أو الدعوة الصريحة إلى التمرد على الأنظمة السياسية واتهام بعضها بالخيانة والعمالة ومظاهرة الكفار على المسلمين، وبعضها بات قريبا من التكفير وإن بصورة غير مباشرة.
وكانت أبرز الفتاوى الصادرة المؤصلة تلك التي صادق عليها أكثر من مائة عالم من علماء الأمة بعنوان: "بيان علماء الأمة في مظاهرة اليهود على المسلمين في غزة"، فقد حشدت الفتوى الكثير من الأسانيد الشرعية التي تجرم كل من ظاهر اليهود على المسلمين وصولا إلى تكفيره وإنفاذ الحكم الشرعي عليه باعتباره: "مرتدا عن دين الإسلام، فيفرق بينه وبين زوجه، ويحرم عليها الاتصال به، ولا يُصلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين" .
واعتبرت مظاهرة اليهود: "تعاون صريح مع العدو اليهودي في قتل إخواننا في غزة ... من أعظم الخيانات الصريحة التي مرت على الأمة عبر التاريخ، وقد اتفق العلماء على أن مظاهرة الكفار على المسلمين كفر وردة عن الإسلام. ويخشى أن يدخل في هذا الحكم أيضاً:
1. من تعاون على إغلاق المعبر أو الأنفاق أو الدلالة عليها أو منع دخول المساعدات إليهم، ويتحمل كل جندي شارك في ذلك إثم كل قتيل وجريح وإثم هدم المساجد والدور بغزة، ولا حجة لمن قال من الجنود: إنه عبد مأمور؛ لأن العبودية لله وحده، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
2. تسليم المعابر لليهود أو القوات الدولية الموالية لهم.
3. الأفراد والمنظمات والوسائل الإعلامية التي تمالأت مع اليهود على المجاهدين في سبيل الله في غزة.
خلاصة
• ثمة حراك واضح في إطار تيارات الجهاد العالمي يتوجه نحو علماء الأمة من جهة ونحو علماء الأزهر من جهة أخرى، ولعله أقرب إلى جبهة علماء الأزهر صاحبة الفتوى المثيرة حقا. وحتى هذه اللحظة لم يتبين لنا خلفيات رسالة أبو عبد الله الشافعي لكنها حقيقة مفاجئة بدعوتها العلماء لتولي القيادة وتبني خط الجهاد العالمي.
• وثمة حراك آخر ملحوظ بين العلماء لا يمكن إغفاله بالرغم من أن بعض البيانات اعتراها لبس لجهة الموقعين عليها وطرق الحصول على موافقتهم فضلا عن أن بعض الموقعين عليها هم أقرب إلى السلطة من قربهم لأي من قضايا الأمة، وهذا لا يقلل من قوة الأحكام الشرعية التي تضمنتها.
• بالنسبة لفتوى مقتل الضابط المصري يمكن اعتبارها سابقة قابلة للقياس عليها لاحقا في مناسبات أخرى. وهنا بالذات فإن مراقبة فتاوى الجبهة مستقبلا قد تكشف فعلا عن توجه عقدي في الصميم خاصة وأننا لم نألف من الجبهة استخدامها لمصطلح سايكس – بيكو بذات الفهم الكائن لدى الجهاد العالمي.
• يمكن الإشارة إلى أن أغلب الفتاوى الجماعية قد أكدت على إسلامية فلسطين كأرض لا يجوز التفاوض عليها ولا التنازل عن أي جزء منها. وتبعا لذلك فقد رفضت مبادرات السلام المقترحة واعتبرتها "حرام حرام" كما جاء في بيان مكة الثاني بخصوص مبادرة السلام ومناصرة غزة والذي أصدره نحو 54 عالما سعوديا من بينهم كبار العلماء.
ومثل هذه الفتوى يترتب عليها البت في مسألة مدى مشروعية التسوية والمعاهدات المعقودة مع إسرائيل والتصالح معها.
• والأكيد أن فلسطين استطاعت حشد الكثير من أبرز العلماء باعتبارها قضية غير خلافية أصلا. ولعل الكثير من أصحاب الفتاوى الصادرة رأوا في الحرب على غزة فرصة ثمينة لمناصرة المجاهدين والدعوة إلى الجهاد بصيغته العالمية مستفيدين من وحشية العدوان الإسرائيلي.
• وفي السياق لا ينبغي تجاهل أن القضية الفلسطينية لطالما شكلت فرصة للتكفير عن الخذلان والتخاذل في مواضع أخرى أو سابقة.
• أيضا لوحظ أن أغلب العلماء الذين عبروا عن حماسة شديدة أو صدروا فتاوى جماعية واقعون ضمن تصنيفات سياسية أو علمية مما يسمح بأن يكون لفتاواهم وقع أكثر على مريديهم وحواضنهم أكثر مما لها وقع على الأمة بمختلف تكويناتها.
• ثمة ضبابية في خطاب العلماء، فالتعميم والتعمية كانا العنصران المهيمنان على الفتاوى خاصة فيما يتعلق بالحكم الشرعي. فالذي يغلق المعابر والذي يصدر القرارات والمظاهِر لليهود على المسلمين والمعاهِد لهم واضح المعالم، ومع ذلك جاء الحكم بصيغة المجهول، وفي خطبة الشيخ القرضاوي ثمة ما يشبه التكفير لكافة الحكام وفي نفس الوقت ثمة استثناء يتيح لأي منهم أن يدعي براءته بموجبه.
لكن ما يتوجب علينا استخلاصه أيضا بحزم ملاحظة أن كل الحراك الذي تحدثنا عنه لم يؤد إلى تغير في مواقف الحكومات ولم يحدث تمردا في الجيوش كما دعا 58 عالما يمنيا ولم يحرر الشارع العربي من قيوده. وبالتالي فإن الإجابة على السؤال: هل ما حدث من انتفاضة نسبية بين صفوف العلماء تؤشر على تغير عقدي أم هي انتفاضة حدث سياسي؟ يبدو أن الجواب الأقرب إلى الصحة يراها، حتى الآن، انتفاضة حدث سياسي لم تتضح بعد غاياتها العقدية.