خريطة الموقع
السبت 19 مايو 2012م



المقالات
الثورات العربية
الثورة المصرية
لماذا لم يسقط مبارك حتى الآن؟

د. أكرم حجازي





لماذا لم تسقط « جمعة الرحيل» الرئيس المصري؟



د. أكرم حجازي


5/2/2011








ثمانية ملايين مصري، من مختلف الفئات العمرية الواقعة ما بين 15 – 60 سنة، خرجوا إلى الشوارع في مظاهرات مليونية طافت أكبر المدن المصرية بحسب التقديرات الغربية. أمواج بشرية أغلبها من الذكور، وأعمارها تزيد عن 15 سنة. هؤلاء يشكلون صلب الكتلة الحيوية والفعالة للمجتمع المصري. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن كل متظاهر هو عضو في أسرة مكونة من خمسة أفراد، في المتوسط، فسيكون المحتجون ممثلين لقرابة أربعين مليونا من المصريين. وهو رقم تقريبي مبدئي لاعتبار ما يجري في مصر ثورة في الصميم تشمل كل المجتمع وليس فئة بعينها.

لا شك أن هذا الحشد الضخم يفسر إلى حد كبير سرعة وقائع الثورة المصرية واستحالة السيطرة عليها من قبل أية مؤسسة أمنية في النظام السياسي القائم. وهي من حيث الواقع أقرب إلى العصيان المدني من أي أمر آخر. ومع أن وقائع الثورة وحجمها قادر على سحق أي نظام سياسي، في بضعة ساعات، إلا أنها حتى الآن لم تجبر الرئيس المصري على الرحيل!!! فالنظام لا يحتاج إلى تعرية، والرئيس سقط شرعيا وقانونيا وأخلاقيا وواقعيا خاصة بعد أن كشف للبسطاء من العامة عن وجه فرعوني سافر، ومؤسسات النظام عاجزة بكل الوسائل عن مواجهة تحدي المتظاهرين، والعالم يُظهر عبر وسائل الإعلام أن مبارك لم يعد مقبولا وأنه لا بد من تحقيق انتقال سلمي للسلطة. إذن ما الذي يحول دون سقوطه؟ وما هو السر في بقائه حتى اللحظة؟

الدخول في التفاصيل للإجابة على السؤال لا تبدو مجدية إذا توفرت بعض الملامح الخفية التي تكشف عن الحقيقة. والمسألة هنا لا تتعلق البتة بنفسية الرئيس أو من خروج مهين له كما حصل للرئيس التونسي. فلو توقفنا، بقليل من التأمل، عند تصريحات الأمريكيين والرئيس مبارك ونائبه عمر سليمان حول التغيير ورغبة الرئيس في التقاعد لولا خشيته من وقوع الفوضى ربما استطعنا الإمساك بأول الخيط!

كل مراقب يدرك أن مصر تعج في هذه الساعات بالجواسيس والعملاء. وكل مراقب يعلم جيدا أن أجهزة الأمن الدولية، بعلمائها وخبرائها في علم النفس وسيكولوجيا الجماهير وغيرهم، تعمل بكامل طاقتها في العالم والمنطقة ليل نهار. ولا يعقل أن يفرط هؤلاء بأخطر نظام، وفي أخطر منطقة في العالم، ويستسلمون في بضعة أيام لشارع يحتله ملايين البشر.

لنتأمل واجهة المشهد: ملايين غاضبة تجوب الشوارع والميادين في المدن .. هدير من الحناجر لا يتوقف .. مواجهات شديدة العنف مع أجهزة النظام الأمنية وأخرى مع أدواته .. اختراقات مروعة في صفوف الجمهور من قبل البلطجية .. تحليق جوي لطائرات حربية على ارتفاعات منخفضة فوق الجمهور .. حرب نفسية عبر الخطابات الرسمية والتصريحات والإشاعات والمواقف المثيرة والباعثة على الفتن .. آليات دبلوماسية وأخرى أمنية تخرق المسيرات وتدهس كل من في طريقها .. تحدٍ وإصرار عجيبين من الشارع على الإطاحة بالرئيس ونظامه .. معارضة حزبية متأرجحة في مواقفها .. نخب فكرية وفنية داعمة للنظام .. مشايخ وعلماء حسموا أمرهم في الالتحام بالشعب وآخرين مذبذبين ومحرضين على تجنب الفتنة وتحريم الخروج على ولي الأمر ...

لكن خلفية المشهد، يمكن تلخيصها بالقول أن: القوى النوعية ذات التأثير المعنوي والشرعي في المجتمع ما زالت خارج الحدث. وهي قوى مسيئة له بصمتها أو رفضها أو محاربتها له أو تسلقها عليه أو انتهازيتها بانتظار من ستؤول إليه الغلبة. ومواقف هذه القوى تصب في المحصلة في صالح النظام إلى درجة خطيرة. أما القوى المادية، كالجيش وأجهزة الأمن والإعلام فما زالت تحت سيطرة النظام إما لكونها موالية له، وهو الأرجح، وإما لكونها متخوفة من بطشه وبطش القوى الدولية.

إذن ترتيب المشهد في مصر من قبل النظام السياسي والقوى العالمية اختلف إلى حد كبير عنه في تونس. وهذا الأمر يجعلنا نستحضر التصريحات التي أعقبت انتصار الثورة التونسية، والتي ركزت على أن الوضع في مصر يختلف عن تونس. فالمجتمعات العربية وإنْ تماثلت في همومها ومطالبها إلى حد التطابق، إلا أن الاختلاف واقع فعلا! لكن ليس فيها بل في بنية النظام، وفي أدوات القوة لديه الأمنية أو العسكرية، وفي مرجعياته الاقتصادية والمالية والثقافية والفكرية وحتى في موارده من فئات البلطجية والانتهازية، وكذلك فيما أعده من وسائل ضغط أو استثمره من تخريب اجتماعي وعقدي طوال ثلاثين عاما من الحكم ضربت صميم الشخصية المصرية.

المهم في مشهد المماطلات والتسويف والخداع والترهيب وبث الفتن وغيرها أنه يحول، مؤقتا، دون سقوط سريع للنظام خاصة حين يضطر إلى مواجهة الملايين من الأمواج البشرية. وهذا هو المطلوب للتعامل مع الصدمة الأولى من الانفجار الاجتماعي. إذ أن الضغط البشري الهائل في مصر كان مفقودا لتونس لاسيما إذا علمنا أن القاهرة وحدها تساوي ضعف تونس سكانيا. مثل هذه الوضعية يمكن إرباكها، مؤقتا، وإشغالها بنفسها عبر الإشاعة أو الاستفزاز أو القوى الدخيلة كـ « لجنة الحكماء» وغيرها أكثر مما يمكن السيطرة عليها أمنيا.

الأكيد أن انسحاب مبارك لم يعد بيده مثلما أن المحافظة على النظام إلى حين، وليس مبارك، بات ضرورة ماسة للقوى الغربية المالكة الحقيقية له تاريخيا وموضوعيا. إذ أن انسحاب مبارك، المبكر، تحت الضغط الشعبي سيكون كارثة محققة للغرب وإسرائيل على حاضر المنطقة ومستقبلها.

فمن جهة سيؤدي السقوط المبكر للنظام إلى انفجارات اجتماعية فورية في المنطقة لا يمكن السيطرة عليها ولا بأي شكل من الأشكال بالنظر إلى قوة مصر ومكانتها. ومن جهة أخرى فإن سقف المطالب المحلية للمصريين لن يكون له حدود!!! ولن يستطيع الجيش ولا أية قوة السيطرة على حركة الشارع.

هكذا فإن خشيه الرئيس المصري من الفوضى المترتبة على رحيله مبررة، من أول وهلة، بالنظر إلى المطالب التي تستهدف ملاحقة كل النظام ومحاكمته. لكن بحدود. ذلك أن الوقوع في فوضى محلية احتمال يكاد يتلاشى مع وفرة المخارج الدستورية في النظام السياسي.

وعليه فإذا استبعدنا هذا الاحتمال فما من تفسير للفوضى المقصودة بلغة الرئيس إلا أن تكون لغة غربية قلبا وقالبا خاصة وأن التداعيات المدمرة التي يمكن أن تمس المنطقة وتوقعها بخطر شديد باتت أهم من أي تداعيات محلية. ولعل هذا ما يفسر التصريحات المتدافعة من قادة الغرب، وأهمها التصريحات الأمريكية التي تحدثت قبل ثلاثة أيام، بلسان روبرت جيبس، المتحدث باسم البيت الأبيض، عن وجوب « التغيير الآن» فإذا بها تصعد اللهجة على لسان الرئيس الأمريكي الذي صرح بالأمس (4/2/2011) أن: « الانتقال السلمي والسلس للسلطة في مصر بدأ الآن». والسؤال: هل يتكرر سيناريو تونس في مصر؟


نشر بتاريخ 05-02-2011  


أضف تقييمك

التقييم: 9.01/10 (538 صوت)


الـتـعـلـيـقـات

[أحمد] [ 05/02/2011 الساعة 11:50 صباحاً]
إن رحيل هذا الطاغية-فورا- هو الحل الوحيد للأزمة المصرية

[سعيد كمال الاسيوطي] [ 05/02/2011 الساعة 11:55 صباحاً]
الشكر موصول للدكتور أكرم حجازي ,,حفظه الله من كل مكروه


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,,,

سيدي الكريم....

مقالتك هذه تنم عن شي ما في خلدك لا أعرف ماهو الان ولكن هل فيه شيء من الاحباط الله أعلم.

عندي تسأولات عن هذه الحالة أود التعليق عليها لأنها في مجال الحدث لابد أن تمر في حالة من التفكير فيها...
- - أين السلفية الجهادية عن ما يحدث الان في مصر . هل هي في تلك الحالة متوارية بشيء من التمويه
- - هل السلفية الجهادية وهي الان قد توفر لها الارضية الجاهزة للانطلاق وهي ما دعت له من قبل مثل خطب الظواهري وغيره وفي مضمون الخطاب العام لها سواء لمصر او غيرها تدعوا الى مثل هذا الامر, مثل العصين والثوره وغيرها.
- - أين تتوقع من عناصر تلك السلفية والتي قد هربت من سجون النظم مثل عبود الزمر وأن كان مغيبا بسبب حالة السجن الطويلة . وأين صاحب التراجعات هل هو في الحالة الان وهل سيبقى على تراجعه .
- - فجر أنبوب للغاز العابر الى اسرائيل في سيناء ...هل هو بداية دخول تلك العناصر.
الغريب أن السلفية الى الان لم تعلق . هل معناه أن هناك شيء ما
- - الأكيد أن القوى الغربية والعربية وخاصة مصر تعرف أن هذه الثورة هي أفضل فرصة للسلفية , للدخول في الثورة
- - لاحظت أن الشارع وهو في حالة الغليان والذي لا يجعل أي احد في التمتع في الموسيقى والرقص , ولكن لاحظت أن ميدان التحرير وفي كل مناطق الثورة أصبح ميدانا للرقص والاغاني الوطنية وحتى راقصات من بنات الجامعات وكأن المرحلة اليسارية في الستينات هي من تقود الثورة. ما معناه ؟؟!!!!
- - لاعلام العربي مازال مشوشاً فلا هو من ساند ولا عارض كأنه على حالة ترقب مخيفة
- - بما أن الثورة ليس لها الان توجه سوى الثورة والتغيير فليس هناك خوف كثير بشكل حاد لان الغرب الان يرتب الوضع بينه وبين النخب المصرية الجاهزة للقبول بكل شيء ولكن بما أن تلك الثورة مستمره وعنيفه وليست الان في حالة قبول حل مبدئي سواء كان برمز "أنسان" أو توجه حزبي فالوضع خطير يعتبر في نظر الغرب بسبب هذا فمن يقطف الزهرة "خراسان " أم "ريتشارد".
- - الغريب أن تركيا تحاول الدخول بأي طريقة من أجل لعب دور كان مرتب لها من قبل الغرب لقيادة العرب .ألا أنها يبدوا قد فشلت بنفس الاسباب تلك
- - أكاد أتعجب بروح الاعجاب والتعجب ايضاء من حالة السلفية !!!! في تلك الثورة أكاد أضحك أحياناً؟ لم تتدخل الى الان. أو دخلت....؟ كلها تدعوا للاستغراب.
- - أود الان وربي أن أعرف ما في عقول النخب السياسة الان في أسرائيل ؟
وعندي الكثير ولكن أحببت الايجاز حلى نرى ما يدور بعد الان...

الشكر لك أستاذي العظيم.....

UNITED ARAB EMIRATES [جندي التوحيد] [ 05/02/2011 الساعة 1:44 مساءً]
في البداية نشكرك جزيل الشكر يا دكتور

وثانيا ارى ان خير جند الارض قد قالوا كلمتهم وحددوا هدفهم وهو الإطاحة بالنظام المصري الذي يعتبر حاضنه ومثال للعماله تقتدي به بقية الأنظمة العميلة.

وبفضل الله لن تتوقف مطالب الشعب المصري عند حدود إسقاط النظام بل ستذهب إلى ما بعد ذالك وتصلح ما أفسده النظام طيلة 30 عاما وتعيد مصر للأمة العربية والإسلامية. وهنا ننوه إلى تفجير الإنبوب الخاص بتصدير الغاز للعدو الصهيوني.

اللهم انصر اخواننا في مصر وفي كل مكان

[أحمد] [ 05/02/2011 الساعة 5:22 مساءً]
دعوة إلي الثوار أن يدركوا أن الخيار الذي يسعدهم في الدنيا والآخرة هو الإسلام وحده .. لا الإخوان ........

شكرا لك أيها الصادع بالحق علي كل كتاباتك

SWEDEN [الغريب] [ 05/02/2011 الساعة 10:42 مساءً]
بارك الله فيك يا دكتور أكرم ... مقال في الصميم ...
وكما أخبرتك سابقا .... يراودني شعور بأن هناك مكرا كبار يحاك للأمة ... نسأل الله أن يحفظنا

الحالة المصرية ... مختلفة تماما عن الحالة التونسية ... وصمود النظام له قد يكون مبرر كما قلت ... وقد تلاحظ بدأ ظهور سارقو الثمار ... وبدأ تلميع الشخصيات ... ونسأل الله أن لا تكون الدماء التي سكبت قد ذهبت سدى ...

نتمنى منك يا دكتور أن تحاول أن تتوسع قليلا وتحاول أن تعطي بعد الفرضيات لما قد تؤول إليه الأمور ... وهل من الممكن أن يكون لأمريكا والغرب يد في ما حدث في مصر؟

وأنا في رأيي المتواضع يا دكتور, لن يتكرر سيناريو تونس في مصر.

أسأل الله العظيم أن يحفظنا بحفظه, وأن يستعملنا ولا يستبدلنا

[الاسيف] [ 10/02/2011 الساعة 12:35 مساءً]
بارك الله فيك دكتورنا العزيز

السبب الحقيقي لصمود النظام المصري من السقوط ليس بسبب قوة ذاتية فيه وإنما سببه ضغوط معظم الأنظمة العربية ومعهم (اسرائيل) حتى لا يرحل مبارك وزبانيته عن حكم مصر

فهذه الأنظمة تقاتل خلف الكواليس حتى لا يسقط هذ النظام

وتتزعم هذه الدول دولة خليجية كبيرة حيث حول حاكمها قصره في المغرب إلى غرفة عمليات ومفاوضات دائمة من أجل كسب الدعم الغربي لنظام مصر البائد بإذن الله.

أرى أن دخول عمال الشركات العامة والخاصة لهذه الثورة سيكون تحولا مؤثرا وحاسما خاصة إذا انضم اليهم موظفي قناة السويس وسندخل حينها مرحلة العصيان المدني الذي سيسقط نظام اللامبارك بإذ ن الله

 

القائمة الرئيسية


إصدارات المراقب

أوقات الصلاة
استعلم عن مدينة اُخرى

القائمة البريدية

التقويم الهجري
28
جماد ثاني
1433 هـ

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.almoraqeb.net - All rights reserved

: عدد الزوار

 

Development by :  شــآم

 


المقالات | المكتبة | الرئيسية