خريطة الموقع
السبت 4 فبراير 2012م



المقالات
:: الـحـرب عـلى غـزة ::
خريف غزة العاصف 6

د. أكرم حجازي





خريف غزة العاصف

الحرب بعيون السلفية الجهادية

(6)



د. أكرم حجازي
1/2/2009



كثيرون هم الذين تطلعوا (إلى) أو تساءلوا (عن) دور ما للسلفية الجهادية، وخاصة للقاعدة، في الحرب على غزة، وكثيرون أيضا يدركون أن التيارات السلفية التي تخوض حروبا مفتوحة على عدة جبهات ساخنة ليس من طبيعتها ولا في قدرتها التعامل مع الأحداث بردود فعل فورية كما لو أنها أحزاب أو جماعات علنية آمنة سياسيا وإعلاميا أو قوى ضاربة يمكن تحريكها بسهولة في أي مكان أو زمان. لذا قلَّما طالبها أحد بتحرك عسكري مباشر كان من الأولى أن يتوجه فيه إلى عناوين أخرى لديها القدرة والإمكانات على التحرك الفوري ضد إسرائيل ولم تفعل.

منذ الأيام الأولى للحرب كانت قضايا كثيرة موضع جدل بين المناصرين لحماس والمناصرين للسلفية الجهادية، لكن مسألتي المناصرة والتغطية الإعلامية مثلتا محور نقاشات ساخنة ألقتا بظلالهما على خطابات قادة التيار الجهادي العالمي. ولا ريب أن رؤى السلفية الجهادية للصراع مع اليهود لم تتغير لا قبل الحرب ولا خلالها ولا بعدها. لكن هل تغيرت تجاه حركة حماس؟ وهل تغير خطاب حماس تجاه السلفية الجهادية؟ باختصار؛ كيف قرأت السلفية الموقف شرعيا وإعلاميا؟

لمن انتصرت السلفية في الحرب على غزة؟(1)


لم تترك الحرب العدوانية الشاملة على غزة مساحة كافية أمام الأقران كي يدخلوا في مساجلات عقيمة خاصة وأن آلة القتل الإسرائيلية حولت كل أشكال الحياة في غزة إلى أهداف مشروعة بوحشية عزّ نظيرها. فالجميع غدا مستهدفا بدرجة لا تسمح باستحضار حتى القليل من التوتر في العلاقة ما بين حماس وتيارات السلفية الجهادية في العالم. ومع ذلك فلم تنل الحرب، ولا ثبات المقاتلين الصلب، من رؤية السلفية تجاه الصراع مع اليهود أو حلفائهم سواء كانوا عربا أو عجما.

ورغم وضوح الصورة منذ اليوم الأول تقريبا إلا أن بيان الموقف الشرعي من الحرب على غزة كان ضروريا بالنظر إلى بعض التساؤلات التي ظهرت وأثارت حيرة أو بلبلة بين الأنصار حول سلامة الراية وصحة المنهج. وقبل أن تظهر خطابات القادة سارع الكثير من الكتاب ومشايخ التيار الجهادي كالمقدسي وأسد الجهاد2 واليافعي وحسين بن محمود وأبو عبد الرزاق وغيرهم إلى حسم الموقف الشرعي. وبالنسبة لهؤلاء الكتاب والمشايخ فإن غزة جزء من فلسطين، أرضا وشعبا، وأهلها مسلمون في حالة جهاد دفع لا يستوجب وضوحا في الراية ولا إماما كما هو الحال في جهاد الطلب. وعليه فما من مبرر شرعي يسقط فريضة الجهاد العيني على المسلمين في تحرير فلسطين، وما من مبرر يحول بين المسلمين ونصرة غزة، وما من مبرر شرعي يوقف جهاد الدفع كما هو الحال في غزة.
إذن الموقف يوجب المناصرة والكف عن الدخول، على الأقل، فيما ليس وقته. لكن ماذا عن موقف السلفية الجهادية من حماس خاصة وأنها الجماعة التي تحملت عبء المواجهة أكثر من غيرها؟

توالت خطابات قادة التيار الجهادي العالمي في الظهور خلال الفترة ما بين (27/12/2008 – 15/1/2009)، وكان بيان حركة الشباب المجاهدين في الصومال أولها: (بيان من القيادة العامة إلى أهلنا في غزة 28-12-2008) ثم بيان جيش الأمة في أرض الرباط – بيت المقدس (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين 29-12-2008) والخطاب الصوتي لـ / د. أيمن الظواهري بعنوان: (مجزرة غزة وحصار الخونة - 6-1-2009)، تلاه خطاب مماثل لأبي عمر البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية: (إنما المؤمنون أخوة 9-1-2009)، وخطاب الشيخ أسامة بن لادن: (دعوة إلى الجهاد لوقف العدوان على غزة 14-1-2009)، وآخرها خطاب صوتي لأبي مصعب عبد الودود أمير قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي بعنوان: (غزة بين مطرقة اليهود والصليبيين وسندان المرتدين 15-1-2009). وبعد الحرب كان الخطاب المرئي لأبي يحيى الليبي بعنوان: (فلسطين – الآن حمي الوطيس 22-1-2009) وأربعة كلمات في الشريط الأول لقادة القاعدة في جزيرة العرب بعنوان: (من هنا نبدأ وفي الأقصى نلتقي23-1-2009).

غني عن البيان، إزاء هذا الدفق الإعلامي، القول أن القاعدة والتيارات السلفية الجهادية ألقت إعلاميا بكل ثقلها في مناصرة غزة، فلم يبق تيار أو فرع إلا وكان حاضرا على المستوى الإعلامي والدعوي والتعبوي. وحتى الأنصار اندرجوا في الحرب وسط حماسة ودعاء لا ينقطع. لكن كل من تابع جواهر الموقف السلفي الجهادي، على مستوى المناصرين أو القيادات، سيتبين له أن السلفية الجهادية ظلت على مسافة ثابتة من الشك والريبة خاصة تجاه حماس كجماعة وتجاه قيادتها السياسية وحتى تجاه كتائب القسام كجناح عسكري. ولو فتشنا في كل الخطابات السابقة لما اشتمل أي منها على مجرد ذكر لحماس أو القسام ناهيك عن مناصرة أي منهما. فلمن انتصرت السلفية إذن؟

لا شك أنها أبدت تعاطفا وتحرقا للقتال إلى جانب المقاتلين في غزة، ودعت إلى الجهاد في شتى أنحاء العالم لرد العدوان عن فلسطين، وتوقفت طويلا عند أسباب الكوارث التي حلت بالفلسطينيين على امتداد عقود، لكنها في الحرب انتصرت فقط (1) للمسلمين و (2) المجاهدين و (3) المستضعفين، ولم تنتصر لأية جماعة بعينها. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا التجاهل لا يعني أنها لا تنتصر لمجاهدي القسام وغيرهم كونهم في جهاد دفع، كما لا يعني أنها لا تنتصر، بالضرورة، لمن عقد منهم أو من غيرهم النية في الجهاد على راية التوحيد.

حتى جيش الأمة ذو الأطروحة السلفية بمحتواها العالمي لم يذكره قادة الجهاد سلبا ولا إيجابا، ربما خشية من إحراجهم بحيث تطولهم تهمة الانتماء للقاعدة وبالتالي تعريضهم للمضايقات. لكن يكفي الاطلاع على بيان الجيش الذي يشارك في المعارك، خاصة في منطقة خانيونس جنوب غزة لنكتشف صراحة أنه خلا من أية مواقف سياسية تجاه أية جماعة أو فصيل مقاوم مثلما خلا من أية إشارة لحماس أو القسام، وبعيدا عن كونه \"بيان للناس\" إلا أن الملفت في الشق الثاني من التسمية في كونه بيان \"هدى وموعظة\". ويبدو أنه استهدف الداخل أكثر مما استهدف \"جماهير امتنا المسلمة في كل مكان\". والأهم في البيان أنه حرص على التأكيد على مسألتين أرقتا إجمالي التيارات السلفية خلال الحرب وهما:

• دعوته إلى: \"التمسك بخيار الجهاد\" وتخوفه من تهدئات قادمة باعتبارها: \" ارتهان جديد لاتفاقيات مذلة توقف الجهاد ويستفيد منها الاحتلال كما حدث في التهدئة\" الأولى. وفي هذا السياق بالضبط من الجدير الإشارة إلى أن جيش الأمة كان أول جماعة تكسر التهدئة حتى قبل انتهاء مدتها القانونية.

• دعوته للمقاتلين أنفسهم بأن يكون: \" القتال ... تحت راية التوحيد ... (فـ) من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلته جاهلية \"، ربما لم تكن المرة الأولى التي تظهر فيها مثل هذه الدعوات في فلسطين خاصة وأن الجميع في قلب المعركة لكنها دعوة تحذيرية بالغة الذكاء في توقيتها حيث المقاتل في الحروب أقرب ما يكون إلى دينه وربه من أي شيء آخر. كما أنها كانت بمثابة نداء إلى كافة المقاتلين من شتى الأطياف الأيديولوجية لمراجعة أنفسهم قبل أن يلقى أحدهم حتفه، فإن كان لا مناص من التضحية بالنفس فـ: \"قاتلوا اليهود تحت راية التوحيد\" حتى لا تزهق النفس: \" تحت راية الوطنية والقومية\" .

الأكيد أن مخاوف السلفية الجهادية كانت، ولمّا تزل، نابعة من المنهج الوطني للحركة ومن الإطار السياسي لحماس حيث عقيدة الولاء والبراء على المحك، ورغم ذلك لاحظ هذا الإطار أن قادة التيارات الجهادية لم تمسه بأي نقد كانْ بقدر ما أبدت حرصها على أن يقطف هو ثمرة جهاده وثباته وليست أية جهة أخرى. فكيف تعاملت حماس مع هذه المخاوف؟

في خاتمة خطابه الأول خلال الحرب (10/1/2009) لاحظ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس أن: \"البعض يتخوف أنه بعد كل هذه التضحيات قد تفرط قيادة المقاومة أو تساوم أو تضعف\"، وتابع بصيغة المطمئن قائلا: \"بالعكس إن هذه الدماء الغالية علينا هي التي تزيدنا تمسكًا بأهدافنا وثباتنا، ومن الظلم أنه بعد كل هذه المذابح أن نرضخ ونعلن وقف المقاومة ...\". فلمن توجه مشعل بهذا \"التطمين\"؟

لا شك أن قادة حماس هم أكثر من يعلم بالجهات التي تخشى على \"ضياع ثمرات الجهاد\" من أيدي المجاهدين، ولا شك أن قادة حماس لا يقصدون بأولئك \"البعض\" الجماعات الوطنية أو العلمانية خاصة وهم يعلمون أن الغالبية الساحقة منها لم تشارك بقتال فضلا عن أن من اشترك منها ليس له تأثير يذكر في مجرى الحرب، وبهذا المنطق لن يكون لخطاب مشعل ثمة \"بعض\" آخر غير السلفية الجهادية إلا إنْ كانت هناك جهات أخرى يقصدها. لكن ما يدفع إلى هذا الاستنتاج إعلان مشعل عن نهاية التسوية مع إسرائيل. وهذا معطى جديد، إنْ أثبتت الأيام القادمة صحته، فمعناه أن حماس عادت كلية إلى الخط الجهادي الأمر الذي سيكون له أثره في انحسار شقة الخلافات مع التيار الجهادي العالمي خصوصا وأن التسويات السياسية كانت مصدرا لتفاقم الصراعات بين الجانبين.

ازدواجية الإعلام؟ أم عبء الراية؟(2)


كما أن الدول العربية \"انقسمت كعادتها\" في كبرى النوازل كذلك هو الإعلام العربي. لكن الإعلام العربي منقسم على أجندات سياسية وأيديولوجية، ولم يعد خافيا على مراقب أنه ثمة إعلام عربي له أجندة غربية، وله فضائياته وكتابه ومحللوه وسياسيوه ورواده.

هذا النوع من الإعلام بلغ به الأمر حدا عجيبا من الانحياز ضد قضايا الأمة. وعلاوة على الأسماء والكتاب المعروفة ولاءاتهم تاريخيا ظهرت، منذ حرب الخليج الثانية، أعلام جديدة منهم تحت مسمى الليبراليون الجدد ممن قدموا خطابا يفوق في عدائه أية مواقف لأعداء الأمة. بل أن كتابات هؤلاء فيها من الحقد العجيب ما لا تقره أية مرجعية كانت سواء أخلاقية أو دينية أو قانونية، وبصورة لم نلحظها منذ زمن بعيد حتى في وسائل إعلام معادية لطالما حرصت على الظهور بمظهر الحياد والموضوعية أملا في كسب أنصار لها أو متعاطفين مع أطروحاتها.

وأكثر من ذلك أن الكثير من هؤلاء الكتاب وحتى المثقفين والسياسيين والفنانين ومن يزعموا بأنهم وطنيون باتوا يفاخرون بما تغدق عليهم الدوائر الغربية والصهيونية من جوائز لقاء ما يقدمونه من خدمات في نصرة اليهود وإسرائيل والدفاع عنهما وكأن الفلسطينيين والعرب والمسلمين هم الذين ارتكبوا الخطايا في حقهم وليس الغرب ذاته، وأعجب ما في خطابهم أنهم يستشهدون فيما قاله الله ورسوله في نصرة اليهود وهم واقعون في الموبقات السبع. هؤلاء يجري تكريم أقلامهم حتى غدوا ضيوفا مرحبا بهم على المواقع الرسمية لحكومات الغرب بما فيها موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية. وبالتأكيد ليس هؤلاء نكرات، في بلدانهم، بحيث يصعب تتبعهم قضائيا ولا هم منفيون أو هاربون من بلادهم، بل هم في موقع المسؤولية وعلى صلة وثيقة جدا في السلطة، وينشرون مقالاتهم في صحف عربية منبوذة منذ العدد الأول لصدورها!

مثل هذا الإعلام له مؤسسات تنشط في الاستقطاب وشراء الذمم وحتى الإسقاط بأية وسيلة كانت. والمهم في هذا التيار أنه ذو أجندة واضحة لا لبس فيها ولا خشية منها. لكن ماذا عن الإعلام الموصوف بالوطني؟ أو المستقل؟

لعلها المرة الأولى التي تتوحد فيها عشرين قناة فضائية عربية انتصارا لغزة ضد العدوان الإسرائيلي الوحشي عليها. وهي بلا شك لم تتوحد في أية قضية سابقة، لكنها هذه المرة، ودون مقدمات، نقلت وقائع الحرب على الهواء وعلى مدار الدقيقة، واستضافت المئات من المحللين والمشايخ والعلماء والمفكرين والعسكريين والحقوقيين وغيرهم كي يقدموا مختلف وقائع الحرب وقراءة تطوراتها. هذه الفضائيات نجحت في تجنيد الرأي العام العربي والعالمي وفضحت أبشع الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل، وقدمتها بصورتها الحقيقية.

عشرون قناة فضائية استطاعت إحراج قادة إسرائيل ومتحدثيها العسكريين، وكشفت عن حجم التواطؤ العربي الخطير في التحضير للهجوم على غزة والمضي قدما في تعطيل أي تحرك سياسي عربي. بل أن صحفييها كانوا في مقابلاتهم من البراعة ما يحسدوا عليه وهم يصفون الحدث في أدق تفاصيله وفي مختلف مستوياته. فلما كانوا يستضيفون معلقا أو محللا أو مفكرا، سواء كان عربيا أو إسرائيليا أو غربيا، كانوا يعصرونه عصرا وهم ينهالون عليه في الأسئلة ويعاملونه كالمتهم الذي عليه أن يفرغ كل ما في جيوبه قبل أن يغادر كرسي الاعتراف، فإما أن يقر بالحقيقة وإما أن يخرج مدانا.

الحقيقة أنهم أبدعوا في قراءة السطور وما بين السطور وفوق السطور وتحت السطور وفي قلب السطور وماضي السطور ومستقبل السطور ولم يتركوا جملة أو كلمة أو نقطة أو فاصلة إلا وأخضعوها للاستنطاق! وكم كانت لحظات ممتعة، على شدة المأساة والمشاهد المرعبة، ونحن نتابع هذا الأداء المميز الذي لم نعهده من قبل.

حتى المشايخ والعلماء قدموا عروضا في النصرة والتحريض على الجهاد وبيان وسائله وشروطه وآلياته بحيث لم يكونوا أقل دهاء في الحشد من الإعلاميين أنفسهم. وبعضهم أدان زملاءه على مواقفهم المخذلة وفتاواهم المنحرفة وعلاقاتهم المشبوهة، ووصلت بعض الأطروحات إلى إدانة الحكام وشتمهم وحتى تكفيرهم سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشر.
تُرى! أين كان هذا الإعلام من قضايا الأمة الأخرى؟ أم أن فلسطين هي القضية الوحيدة للأمة؟ ولماذا ظهر هذا الكم الهائل من المشايخ والبيانات حين تَعلَّق الأمر بفلسطين بينما اختفى في ساحات أخرى وكأن النصرة تجب ، شرعا، وفقط على فلسطين ولا تجب على غيرها من المسلمين؟

لا شك أن الصورة لم تختلف قبل غزة وخلالها أو بعدها. فطوال عقود العدوان المستمر على الأمة لم تغب عن النظر مشاهد الأوصال المقطعة والأجساد المتفحمة والأطفال الممزقة أشلاءهم والبيوت المهدمة .. وما زالت القنوات الفضائية ذاتها تنقل أخبار الغارات الأمريكية والأطلسية والإسرائيلية على المساجد والمنازل والمدارس والأعراس في أفغانستان والعراق وهي تودي بأرواح المئات، وذات الجرائم ترتكب في الصومال، أما الشيشان فما من أحد إلا وشاهد القوات الروسية وهي تحيل منازل العاصمة غروزني إلى أطلال من الدمار على رأس ساكنيها.

هذه هي الصورة المستمرة. فلماذا لم يكن الإعلام العربي منصفا وبارعا إلا في تشويه المجاهدين في هذه البلدان؟ ولماذا لا ينتصر الإعلام لدماء الأفغان والشيشان والصومال والعراق؟ ولماذا لا يرى في هذه الساحات إلا المفاوضات والسلام والأمن والاستقرار والتنمية ولا يرى فيها الغارات الجوية والدمار والإبادة الجماعية والتعذيب والتنكيل والاغتصاب والدماء والتضحيات؟ وإذا كانت النصرة لفلسطين واجب شرعي فلماذا التمييز بين دماء ودماء بحيث يكون دم المسلم وماله وعرضه في موضع حرام وفي آخر حلال؟ ولماذا لا يجري تحميل الاحتلال في أفغانستان أو العراق أو الشيشان والصومال مسؤولية الدماء ذاتها التي تتحملها إسرائيل في فلسطين؟ وبأية معايير يكون هذا الإعلام محايدا في نصرته لغزة بينما هو منحاز في مناطق أخرى لفئة على حساب أخرى رغم أن هوية العدوان والمعتدين واحدة سواء كانت أميركية أو إسرائيلية أو أثيوبية أو روسية وحتى هندية وباكستانية؟ باختصار: هل يمكن الثقة بالإعلام الوطني أو المستقل؟

هذه القراءة ومثل هذه المشاهد الإعلامية وجملة التساؤلات هي التي استفزت التيار الجهادي العالمي ومناصريه، وهي التي تشعرهم، على الدوام، بأنهم \"غرباء\" في ساحات الإعلام مثلما هم كذلك في ساحات القتال. فما من أحد يناصرهم أو ينصفهم أو حتى يقول كلمة محايدة بحقهم. وعلى العكس من ذلك فكل ما يتلقونه إدانة وتهم وتشويه ومحاربة من شتى الاتجاهات السياسية والعلمية والإعلامية. هؤلاء يستذكرون بمرارة ما يرونه، كمثال، اتهامات ظالمة وجهت إليهم خلال سنين الحرب في العراق عبر إلصاق التفجيرات العشوائية بهم خاصة بعد أن صرح الشيخ حارث الضاري بأن القاعدة بريئة منها، ويستذكرون، كمثال آخر، تصريحات الشيخ يوسف القرضاوي وهو يدعو قادة القاعدة إلى الخروج من سراديبهم وهم في حالة حرب بينما ينجو قادة حماس من مثل هذه الدعوات.

لا ريب أن وقائع الحرب الظالمة على غزة رسخت في عقول الجهاديين ووجدانهم ما يرونه حربا ظالمة ضدهم، وأدوارا مريرة للإعلام العربي خاصة وهو يتعامل مع قضايا الأمة بازدواجية صارخة لا تقل عن مرارة الوطنيين لما كانوا يتلقون صفعات الفيتو الأمريكي والغربي في المحافل الدولية كلما تعلق الأمر بالقضايا العربية والإسلامية، ولا عن الاتهامات التي تعرضت لها حماس ممن حملوها مسؤولية الحرب على غزة وبرؤوا الاحتلال من جرائمه.

لكنهم (الجهاديون) في قرارة أنفسهم يدركون أن هذا الإعلام لا يمكن أن ينصفهم ليس لأنه ذو معايير مزدوجة أو أجندات سياسية فحسب بل لأن الراية التي يلوحون بها والمنهج الذي يعتقدونه لم يعودا يتيحان لهم سوى مساحة إعلامية مشوهة، في أحسن الأحوال، إن لم تكن عدائية ذات مواصفات أمريكية.

ويستمر سقوط الأوراق ...

نشر بتاريخ 28-02-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 2.10/10 (1267 صوت)


 

القائمة الرئيسية





إصدارات المراقب

أوقات الصلاة
استعلم عن مدينة اُخرى

القائمة البريدية

التقويم الهجري
12
ربيع أول
1433 هـ

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.almoraqeb.net - All rights reserved

: عدد الزوار

 

Development by :  شــآم

 


المقالات | المكتبة | الرئيسية