... وسيتذكر الفلسطينيون وغيرهم ممن شهدها أن معركة مخيم جنين سنة 2001 خلال اجتياح إسرائيل للضفة الغربية كانت الأشرس على أرض فلسطين حتى ذلك الحين، وكانت نذيرا للحروب الإسرائيلية القادمة في فلسطين. خمسون مقاتلا أغلبهم من حركة الجهاد الإسلامي، حيث تعتبر مدينة جنين معقلهم في الضفة، وفي مبادرة منهم، دخلوا مسجد المخيم وعاهدوا الله على قتال اليهود حتى آخر رمق مهما كانت النتائج ... وبدأت المعركة الطاحنة مع الجيش الإسرائيلي الذي فقد فيها قرابة العشرين جنديا باعترافه. وتم تدمير المخيم وقتل 500 من سكانه، ولم تنل إسرائيل من المخيم ولا من مقاتليه إلا بعد أن نفذت ذخيرتهم. كان محمود الطوالبة أحد أعظم قادة المعركة، ولما قيل له: "الحرب كرّ وفرّ" أجاب: "هذه معركة فيها كرّ وليس فيها فرّ". وفعليا كانت معركة جنين الأولى والوحيدة التي لم ينج منها مقاتل ولم يسجل بها جرحى! فمن بقي في المخيم قتل سواء من السكان أو المقاتلين.
أهم ما في المعركة أنها خيضت بمصطلحات ومعايير غير أيديولوجية أو حزبية أو تنظيمية، وكان جليا أن الأداء القتالي اختلف كلية عما سبق من أداء في معارك ماضية. وذات الأمر وقع خلال الحرب على غزة، إذ يشهد جيل النكبة أن ما شاهدوه وعايشوه لم يسبق لهم أن رأوا مثيلا له منذ ما قبل قيام إسرائيل سنة 1948. وبمقاييس الحروب فإن ما جرى لغزة هي الحرب الأولى والأوسع والأشد وحشية التي تقع على أرض فلسطين، والتي خاض الفلسطينيون فيها قتالا ضد إسرائيل على أرضهم.
في هذه المقالة لا يهمنا التوقف عند نتائج الحرب فيما إذا كانت نصرا أو هزيمة مع أننا نرى أنها بالتأكيد ليست نصرا لليهود ولا هزيمة لحماس. لكن من المهم التوقف عند منطق الحروب السابقة التي خاضتها إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب ومنطق العقيدة القتالية ومنطق الحروب القادمة.
أولا: حروب إسرائيل
إذا ما استثنينا حرب تشرين أول / أكتوبر 1973 التي اندلعت بقرار عربي فقد كانت إسرائيل قبل قيامها هي المبادرة في شن الحروب، وهي المبادرة في شن الغارات والاجتياحات المحدودة أو الواسعة. وفي كل حروبها كانت المدن والقرى تسقط تباعا، وكان اللاجؤون من السكان يفرون بمئات الآلاف من منازلهم ومناطقهم بحثا عن ملاذ آمن. وفي الحقيقة لم يكن المدنيين ليستحقوا اللوم لأنهم أعازل وغير مؤطرين ولا منظمين ولا يمتلكون خبرات قتالية وليس هناك من يدافع عنهم، فحتى الجيوش كانت تفر من مواقعها أو يُطلَب منها الانسحاب بحجة أن المنطقة سقطت عسكريا! أو أنها لا تمتلك سوى أسلحة فردية بالكاد تدافع فيها عن نفسها.
لا شك أن هذا النمط من الحروب كان مريحا لليهود وآمنا. والأكيد أن ما يستبطنه الناس من عقائد اليهود التي لا تقيم حرمة لنفس بشرية دفعهم إلى الخضوع للاحتلال بأبخس الأثمان. والأكيد أيضا أن الأجيال السابقة كانت ثقافتها تميل إلى السلامة والأمن أكثر مما تميل إلى القتال وفقدان الأحبة. والأكيد أن هذا النمط من الحياة يذكرنا بتصريحات إسحق رابين وهو يتغنى بجيشه وهو يحتل الضفة الغربية بـ 500 جندي فقط، وهو عدد لا يكفي للسيطرة على مدينة صغيرة. لكنه كان كافيا لإخضاع مَنْ مُنع من التسلح أو تجرأ على الجهر بمشاعر وطنية.
لكن الحقيقة أن معركة جنين وحرب غزة أثبتتا أن إسرائيل لم تخض، فيما مضى، قتالا حقيقيا مع خصم حقيقي كي نقول أنها انتصرت بفعل تفوقها الميداني أو حتى التكنولوجي. فهي انتصرت فقط لأننا كنا نفر من أمامها ونلتزم البيوت. صحيح أنها احتكرت التسلح كما ونوعا لكنها لم تتعرض لقتال ممن يملكون السلاح وكان باستطاعتهم إيذائها وحتى إزالتها. ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" إلا أننا هزمنا من اليهود بفعل جدار صوتي لطائرة أو انفجار لقذيفة أو بضعة آليات دخلت قرية أو مدينة أو حتى قبل أن تدخلها!
حتى اليهود كانوا يفاجَؤون بانتصاراتهم السريعة علينا. فقد اعتادوا ممارسة احتلال يسير دون مقاومة أو خسائر كبيرة في صفوفهم الأمر الذي كان يشجعهم على تغيير خططهم وأهدافهم وتوسيع رقعة الاحتلال بقدر حاجتهم أو بقدر ما يسمح لهم الميدان بذلك. ومن المهم، في هذا السياق، ملاحظة بعض التصريحات اليهودية التي سقطت على غير هدى من أحد كبار المحللين في صحيفة معاريف "عوفر شيلح" وهو يعبر للإذاعة الإسرائيلية، بعد بضعة أيام من اندلاع الحرب، عن غضب جامح منتقدا الأداء السياسي للقادة. هذه التصريحات كانت ترى: "أن العملية العسكرية ضد قطاع غزة تدار يومياً بدون تفكير، ووسط تخبط بارز للقيادات الإسرائيلية"!؟ هذه ليست كذبة ولا مبالغة لكنها الحقيقة التي تشي بأن اليهود اعتادوا على إدارة معاركهم بهذه الطريقة قياسا على ما سبق من معارك فإذا بهم يتورطون في غزة.
ثانيا: العقيدة القتالية المضادة
لا شك أن تحرير فلسطين سيكون من الخارج وليس من الداخل. وهذا لا يقلل من مسؤولية الفلسطينيين في الداخل خاصة وأنهم بموجب النص القرآني هم "شعب الجبارين" الذين استودع الله فيهم هذه البقعة المقدسة واختارهم سدنة عليها. وهكذا تبدو المسؤولية عظيمة على المسلمين في فلسطين من حيث أنهم في مواجهة مستمرة ودامية مع القاسية قلوبهم وأصلاب الرقبة بصورة مباشرة لا حواجز بينها أو حجب. والأهم أن هذه المواجهة ستستمر إلى آخر الزمان كما لو أن فلسطين هي مركز الصراع الأزلي بين الخير والشر. ولما يكون زوال إسرائيل هو استحقاق رباني لا مفر منه فهل العقيدة القتالية التي يقاتل بها الفلسطينيون إسرائيل، على فرض وجودها، جزء من هذا الاستحقاق؟
1) الدفاع المدني
من الطبيعي أن يلجأ اليهود إلى منع الفلسطينيين من التسلح ومحاصرتهم من الداخل والخارج والفتك بهم في عمليات إبادة متواصلة، فحتى الملاذ الآمن للمدنيين كان ممنوعا في حرب غزة، ولم يعد المسجد ولا المدرسة ولا المنشآت العامة ولا الساحات ولا المستشفيات آمنة من آلة القتل والدمار، بل أن الطبيعة ذاتها والبيئة لم تعودا آمنتين مع استخدام الغازات السامة والحارقة والفسفورية والداين وغيرها من الأسلحة المحرمة دوليا، بل أن الفرار من ملاحقة الطائرات والقنابل الحارقة والباترة والمدمرة إلى مصر كان ممنوعا .. كانت غزة خلال الحرب أشبه بيوم المحشر حيث لا مفر.
والحقيقة أن الفلسطينيون تلقوا من اليهود طوال عقود الصراع معهم من المعاناة والقهر والتنكيل ما لم تتلقاه أية أمة على وجه الأرض. ولا نظن أحدا جرب ظلم اليهود أو استطاع تحمل عنتهم في لحظة استعلائهم وإفسادهم كما فعل الفلسطينيون. فهم يتلقون إفرازات هذه اللحظة من الزمن أكثر مما تتلقاها أية أمة أخرى. لكن هذا لا يمنع من القول أن العقيدة القتالية في شقها المدني كانت شبه غائبة تماما. ولو كانت المعابر مفتوحة، مثلا، لشهد القطاع نزوحا بمئات الآلاف ولتكررت تجارب الحروب السابقة.
ومنذ اغتصاب فلسطين وإلى يومنا هذا لم يسجل التاريخ قوة عربية واحدة تحركت عسكريا لنصرة الفلسطينيين في فلسطين ولو لمرة واحدة. وهذا يعني أن خيار تدخل الجيوش العربية لا يمكن أن يكون جزء من أية عقيدة قتالية سابقة أو لاحقة. وعلاوة على كون الحدود العربية آمنة منذ عشرات السنين إلا أن الموقف المصري بالذات خلال الحرب على غزة بدا أكثر وحشية من غيره كما لو أنه واقع في صميم العقيدة القتالية لليهود. هذه الوضعية من شأنها أن تحيل الفلسطينيين إلى فكرة قبول الحصار، من المحيط، في أية لحظة كإجراء حاسم يستهدف إيقاع أكبر الضرر بهم حتى من أقرب المقربين.
وفي هذا السياق، حيث لا يُنتظر نصرة من أحد، فإن تحصين المجتمع وتأمين حياة السكان هي ضرورات استراتيجية حاسمة بذات القدر الذي تتطلبه حماية القوى المقاتلة، فلا المدني أرخص من المقاتل ولا هذا أثمن من غيره. ففي أغلب الأحوال يستطيع المقاتل تدبر أمره في الحروب بعكس المدني، وقد دلت الحروب السابقة على أن أغلب الضحايا من المدنيين، وإذا لم يقع التنبه لهذه المشكلة وحلها فسيكون الفلسطينيون كمن يقاتل بصيغة: "عاش القائد ... مات الشعب"؟
2) هوية القتال
ميزة الشعب الفلسطيني بعد النكبة أنه مشتت ومقسم ومفكك بين لاجئ وغير لاجئ ومهاجر ونازح وبين الضفة وغزة والقدس وبين 1948 و 1967. وحين نتحدث عن العقيدة القتالية فليس مفهوما أي جزء هو المعني بها؟ ولا ما إذا كانت كل الأمة معنية بها أم أجزاء منها؟ وهل هي عقيدة قتالية لحزب؟ أو لجماعة؟ أو لحركة؟ أو لفرد؟ لكن الثابت أن التنوع الأيديولوجي والجغرافي لدى الفلسطينيين أفرز هو الآخر تنوعا في مصادر العقيدة القتالية حتى باتت بلا هوية. فبالكاد أمسى الفلسطينيون بـ "الكفاح المسلح" لتحرير فلسطين كاملة حتى أصبحوا ينادون تارة بحقهم في تقرير المصير وتارة بالدولة المستقلة وتارة بالمؤتمر الدولي للسلام ثم يعودون يبحثون عن السلام وتارة عن التسوية وتارة عن الحكم الذاتي لينتهوا إلى المطالبة بوقف العدوان وفك الحصار وفتح المعابر والمصالحة الوطنية والتهدئة وما إلى ذلك. باختصار: من هو العدو الذي يقاتله الفلسطينيون بالضبط ؟ ولأية أهداف يقاتلونه؟
لم يكن الحديث عن التسوية السياسية وليد مؤتمر مدريد للسلام، فالمصالحة مع اليهود انطلقت بينما إسرائيل لم تقم بعد. لكن على الجانب الفلسطيني فإن دخول التسوية على خط القتال أفسد العقول وميّع القضية. فحتى الذين كانوا يتحدثون عن إزالة إسرائيل بوصفها باطل لم يكونوا يدركون أن إزالتها ستعني بالمحصلة إزالة سايكس – بيكو نفسها، وهذا ربما لم يكن هدفا متوقعا ولا هو بحسبانهم فصمتوا عنه ولم يعودوا يتحدثون به. والآن لم يعد معروفا ما إذا كان هذا الهدف ما يزال قائما عند البعض أو أنه معلق على حين!؟ لكن أية جماعة أو حركة أو حزب يتحدث عن تسوية أو سلام أو حقوق أو ثوابت أو تهدئات أو هدنات عليه أن يدرك أن عقيدته القتالية محصورة، فقط، في نطاق اختياراته وليست من الاستحقاق الرباني في شيء باعتبار أن القتال هنا ليس له أية هوية ولا هدف إلا الوصول إلى التسوية، وهذه مضيعة للوقت إلا إنْ كان هناك من يحسن الظن باليهود. ومن الطريف حقا أن يدخل مصطلح التهدئة إلى المجال السياسي الفلسطيني ليغدو وكأنه هدفا! فما الفرق بين اتفاقية الهدنة العربية مع إسرائيل منذ سنة 1948 وبين الهدنات المقترحة لعام ونصف مع العلم أن اتفاقية الهدنة العربية تجدد آليا كل ستة شهور!؟ أليس هذا عجبا!؟
في خضم مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل أصدر موشيه دايان كتابا له بعنوان "الاختراق - 1979" رأى فيه أن إسرائيل لا يمكنها أن تنسحب من أراضي استولت عليها بالقوة في الضفة الغربية ما لم تتعرض لضغط عسكري يجبرها على الانسحاب. أما لماذا يتحدث دايان بهذه اللهجة فلأن وجود أي كيان سياسي به بصيص من الاستقلال سيعني دمارا لاحقا لإسرائيل، إذ يمكن بسهولة ضربها من كل الجهات، فخط النار بين طولكرم وتل أبيب مثلا لا يزيد عن عشرين كيلو مترا، كما أن مخازن السلاح الاستراتيجي لإسرائيل كائنة في الضفة الغربية، فعن أي تسوية ممكنة يجري الحديث؟
المسألة باختصار أن المشروع الصهيوني لا يمكن التقاطع معه عبر تسوية سلمية، إذ أن التفاوض مع اليهود هو كسب لهم وليس لنا، ومن يتابع استطلاعات الرأي عند اليهود سيكتشف بسهولة أن المجتمع الإسرائيلي ظل، رغم انطلاقة التسوية، يميل نحو التطرف والتشدد بينما مالت شعوبنا، في المقابل، نحو التميع والتفكك. وإذا افترضنا حسن النية فيمن يستعمل التسوية كمناورة في كسب الوقت للبناء والإعداد عليه أن يعيد النظر في سياساته التي قد تكون نتائجها مدمرة على مستوى الوعي.
3) القتال
كسائر العرب في عقليتهم ، فمنذ نكبتهم، لا يزال الفلسطينيون يعانون من مشكلة استعجالهم قطف الثمار وكأنها غنائم حروب قبلية، فلو أطلق أحدهم رصاصة أو رمى بحجر لوجدنا عشرات البيانات تتسابق في تبني ما تعتبره عملية ضد قوات الاحتلال، ولو قتل مدني ليس له شأن في القتال ولا أي انتماء تنظيمي أو أيديولوجي لسارعت الفصائل إلى تبنيه وتسابقت فيمن يلفه بعلمه أولا. هذه الظاهرة ما زالت تتوسع بصورة خطيرة جدا بحيث جعلت من القتال ذو طابع حزبي حتى في ذروة المعارك. لكن المشكلة الأعوص هي ربط القتال بالتسويات السياسية والمناورات والمواقف والتحالفات، وهذه كارثة أي كفاح شعبي، إذ يصير القتال أشبه بالمزاد العلني أو بسوق البورصة. وبالتأكيد لو يجري عزل القتال عن تلاعب القيادات السياسية به أولا ثم عن أية استثمارات سياسية ثانيا لاستطاع الفلسطينيون تحقيق نتائج فعلية منذ زمن. لكن مثل هذا الأمر يحتاج إلى جعل القرار السياسي بيد القوى المقاتلة وما تنجزه على الأرض لا بيد القيادات المدنية التي قد تساوم عليه في أية لحظة وتضيعه فيما تسميه مكاسب سياسية وشعبية لا تقدم ولا تؤخر.
وكالعادة، أيضا، ما زلنا نخوض القتال بعقلية الصمود على مختلف المستويات، فنحن صامدون، منذ عقود بلا كلل ولا ملل، في السياسة والميدان، وصامدون ضد هدم البيوت والمطاردات والاعتقالات والأحكام المؤبدة والاجتياحات والترويع وقتل الشيوخ والأطفال والنساء وتدمير المساجد وتدنيس المقدسات وتهديد المسجد الأقصى والحصار والتجويع والمعاناة والتنكيل والظلم والعربدة والقهر، وصامدون ضد الانحياز الأمريكي والغربي لليهود وضد النفاق الدولي وضد التخاذل العربي وضد الخيانة والتواطؤ وضد العنصرية والاضطهاد وضد سفك الدماء وتغييب الحقائق وضد الانتهازية ... وضد كل شيء. وهذا بحق صمود أسطوري لكنه سلبي في صراعنا مع اليهود، فالتاريخ يثبت بالقطع أن الصمود الذي خلّف مرارات وحسرة في النفوس يكافأ بالنكران والاستهتار واللامبالاة رغم كل ما رافقه من خسائر باهظة التكاليف لما هو قابل للتعويض، لكن ماذا عن الخسائر التي لا تقبل التثمين ولا التعويض؟
عقلية الصمود هذه ربما تكون الظروف السابقة قد فرضتها، لكننا تجاوزنا مرحلة الانقراض والتذويب، وبات من الضروري تجاوز عقيدة القتال دفاعا عن الأمة وشرف الأمة وكرامة الأمة والموت واقفين ولن نركع أو عقيدة التسوية والسلام والترقب وتحسين الفرص أو عقيدة الحزب والجماعة والتنظيم أو عقيدة البيانات الثأرية والنارية. وأن الأوان آن لانعطافة جوهرية نحو عقلية الحركة والإثخان كما يبشر بها الدكتور عبد الستار قاسم حين أشار في مقالة له بعنوان: "معالم الحرب القادمة" من أن الحروب القادمة تستدعي خروج المقاومة من خنادقها ومهاجمة العدو. لكن كيف السبيل إلى ذلك؟
فاليهود مثلا يتجنبون القتال التلاحمي، والتجارب كثيرة، فقد سبق لهم وامتنعوا عن دخول بيروت خلال حصارهم لها سنة 1982 إلا بعد انسحاب المقاومة منها، وفعلوا نفس الشيء في مخيم جنين، وكرروا السلوك ذاته حين امتنعوا فعلا عن دخول غزة وبقية المدن خشية الوقوع بهذا الفخ. ألا يفرض هذا على المقاومة التفكير جديا بوسائل من شأنها توريط اليهود بقتال تلاحمي شاؤوا أم أبوا حتى لو استدعى ذلك جرهم إلى معاقل المقاتلين؟ بشرط أن يضع المخططون العسكريون استراتيجيا هذا النوع من القتال مع عدم أي تدخل من قبل السياسيين؟ فمن البديهي أن يفضي اعتماد استراتيجية القتال التلاحمي إلى تحقيق اختراق نوعي في عقيدة اليهود القتالية من حيث عدد القتلى والأسرى وردع الغطرسة والدموية التي يمارسونها ضد الخصم.
4) الإعداد
سواء خاض الفلسطينيون الحرب أو فرضت عليهم فالأكيد أنهم مطالبون بالإعداد لها، صحيح أن الإعداد مرتبط بالاستطاعة، لكن أي نوع من الإعداد هو المقصود؟ وعلى أية أسس عقدية سيقوم؟ وما هي هويته؟ هل هو سياسي؟ أم حزبي؟
من المعروف أن الساحة الفلسطينية في الداخل، حيث يمكن قتال اليهود دون إذن من أحد، تعج بالفصائل والأيديولوجيات، فمن شاء أن يقاتل في سبيل الله فله ذلك وهو أفضل القتال شرعا وأسلمه للنفس وللدنيا والآخرة، ومن أراد أن يقاتل تحت راية أخرى فليفعل وهو من يتحمل نتائج قتاله شرعيا، لكن العقيدة القتالية يجب أن تكون واضحة وملكا للجميع بما في ذلك المدنيين. أما أن يستمر التعامل مع القوى المقاتلة والمجتمع بموجب معايير تنظيمية وحزبية استعلائية واحتكارية فهذا سيؤدي إلى حالات من انعدام الثقة كالشك والريبة والتوجس وتكريس للخصومات والبغض بين المقاتلين وانقسام اجتماعي، وللحق فقد كانت تصريحات أمير جيش الأمة لـ: "إسلام أن لاين" مثيرة وهو يتحدث عن غياب التنسيق بين القوى ميدانيا وعن احتكارات لمناطق القتال خلال الحرب. فهل من المجدي أن يقاتل تنظيم في وسط حرب طاحنة وعيونه تراقب الآخرين وكأنهم أعداءه!؟
إذن الإعداد يتطلب منظومة شرعية وأخلاقية وواقعية تفوق منظومة القوة العسكرية والتنظيمية بحيث ينصب الجهد في صالح الهدف المحدد والذي يعني الأمة. لكن إذا كانت المعارك والحروب ستخاض باسم التنظيم ولمصلحة التنظيم ولأهداف التنظيم وبقيادة التنظيم وإعلام التنظيم وبطولات التنظيم فهذا مؤشر على أن الإعداد المقصود لم يستوف شرط الاستطاعة بقدر ما استوفى شرط التنظيم الذي لا يرى في غيره، حتى في نظرته للمجتمع، إلا مجرد. آخرين وشتان بين هذا وذاك. أما المؤشر الأهم فهو اقتصار الإعداد على غزة بعيدا عن الضفة الغربية التي بدت وكأنها خارج الحسابات رغم أن الامتيازات التي تتيحها طوبوغرافيا المنطقة وديمغرافيتها للقتال لا تقارن بما هو كائن في غزة. فلنتخيل فقط نتائج نقل تجربة التصنيع إلى الضفة والأثر الذي يمكن أن تحدثه. وهنا ثمة سؤال بسيط: هل أن غزة مجرد معقل لرأسمال حزبي؟
وفي السياق تظل مشكلة الأمن واحدة من أشد العقبات في طريق بناء عقيدة قتالية فعالة. صحيح أن النسبة المئوية للطابور الخامس بالنسبة للشعوب المستعمرة معدلها 6%، لكن مثل هذه النسبة كبيرة جدا على مجتمع ذو جغرافية مفككة وصعبة وكثافة سكانية محصورة في بقعة جغرافية صغيرة. وبحسب تقديرات نشرت سنة 1989 ثمة ما يناهز الـ 100 ألف عميل وعميلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وليس لدينا أية معلومات فيما إذا كان العدد قد زاد أو نقص.
ومن ثوابت العقيدة القتالية عند اليهود أنهم لا يستطيعون القتال إلا وعيونهم مفتوحة، فإذا ما عميت عيونهم تخبطوا تماما. أما وأد فكرة أن يكون للعملاء أي شأن يذكر في المعارك قد جرى تطبيقها بشكل واسع خلال الانتفاضة الأولى. غير أن اليهود نجحوا إلى حد كبير في اختراق هذا التوجه عبر الزج بعملائهم في الفصائل والتنظيمات وحتى في المجتمع لممارستها على نطاق واسع، فكانت النتيجة أن خرجت تطبيقات الفكرة عن السيطرة وتسببت بتصفيات لأبرياء قبل أن تتوقف. أما الشق الآخر من المشكلة فيكمن بوجود عائلات كاملة امتهنت العمالة والجاسوسية، والكثير منهم ظاهر للعيان ومعروفة أسبقياتهم وتاريخهم لكن ليس ثمة قدرة على تصفيتهم لأن ذلك يعني الدخول في مواجهات ذات طابع اجتماعي. وشق ثالث وهو الآخر أن إسرائيل لديها القدرة على تجديد جيش العملاء بصورة منتظمة وسريعة وفعالة. وأخيرا دخول قطاعات واسعة جدا من رموز السلطة الفلسطينية كطرف في خدمة إسرائيل والتغطية على جرائمها وتمرير مخططاتها عبر أجهزتها الأمنية، ولا فرق، في هذه الحالة، أن يكون التعامل مع اليهود ناجم عن فساد أو عمالة رسمية. وإذا ما استمرت المشكلة قائمة فلا شك أن يد إسرائيل ستظل طويلة حيث تشاء وعيونها مفتوحة بما يكفي لملء خزانات معلوماتها كلما نضبت.
5) الرأي العام
أما قصة الاستنجاد بالرأي العام فليكن معلوما أن الشعوب والمؤسسات تحركت ضد وحشية إسرائيل أكثر مما تحركت لنصرة الفلسطينيين. ولا شك أن إسرائيل انكشفت للمرة الأولى أمام الرأي العام. لكن لنكن دقيقين في معالجة هذه المسألة.
إذا تعلق الأمر بالرأي العام العربي فلا أظن أن فائدة تذكر يمكن تحقيقها إلا إنْ أحدث هذا الرأي تغييرا جوهريا بحيث يكون له صدى سياسي أو عسكري وصدى إعلامي في الغرب وهو أمر مستبعد لأكثر من سبب. لكن إذا تعلق الأمر في الرأي العام الغربي (الولايات المتحدة وأوروبا وكندا وأستراليا واليابان) فالمسألة هنا مجدية. بل هي في صلب العقيدة القتالية كون هذه الدول هي التي تتحكم في السياسة الدولية وتتأثر بحركة شعوبها. لكن حتى الرأي العام الأوروبي قد لا ينجح في إحداث أي تغيير حتى لو خرج بمئات الآلاف، وستكون مشكلة لو خرج واكتفى بالاستنكار أو الإدانة كما هو حاله خلال الحرب على غزة. وفي السياق نستذكر الاحتجاجات الكبرى التي اجتاحت أوروبا في أواخر الثمانينات ضد السياسة النووية للولايات المتحدة، فرغم خروج مئات الآلاف إلى شوارع المدن الأوروبية احتجاجا على عزم الأمريكيين نشر صواريخ بيرشنغ وكروز النووية إلا أن وزير الدفاع الأمريكي آنذاك كاسبر واينبرغر قال بصريح العبارة أن هذه الاحتجاجات غير كافية لمنع نشر الصواريخ! وخلال الحرب على غزة سئل الكثير من الأوروبيين عن موقفهم مما يجري فكان الرد بأن لإسرائيل الحق بالدفاع عن نفسها. فالإعلام الغربي غيب الحقائق وأخفى معالم الجرائم وكان مماثلا للإعلام الإسرائيلي حيث لم ينقل وقائع الحرب وصور المجازر الوحشية.
لا شك أن الرأي العام سيظل ضعيفا وغير قادر على الإخلال بموازين القوى، ولا يعول عليه ما لم يفرض العسكر تغييرات ميدانية على الأرض تؤدي إلى تحقيق مكاسب بعيدا عن أية تنازلات سياسية أو شرعية. مكاسب وتغييرات تكفي للكشف عن وهن القوة المتغطرسة وحقيقة جرائمها وخسائرها، وتكون قادرة على معاقبة الإعلام الدولي المنحاز لإسرائيل وإجباره على نقل الوقائع الميدانية رغما عنه. وهذا جزء من الاستحقاق الرباني في الحرب ضد إسرائيل. فاليهود ما كانوا ليفسدوا في الأرض إلا بحبل من الله وحبل من الناس. لذا لا بد من العمل على توظيف الرأي العام في إضعاف الحبل الذي سخره الله لهم تمهيدا لقطعه.
أخيرا فإن أخشى ما نخشاه أن يستمر الحال الفلسطيني على ما هو عليه. فهذا يعني أننا سنضطر إلى خوض المزيد من الحروب التي ليس لعقيدتها القتالية أية هوية أو محتوى. ولسنا على يقين من أننا سنتساءل حينها بتعقل ومسؤولية: هل حقا كنا على صواب؟ أم أننا مخطؤون؟
أيا كانت الإجابة فالأوراق العالقة كثيرة وقد تسقط في أي حين ولا بأس إن لم تجد من يلتقطها ...