في ضوء وقفات البغدادي
هل حل الدولة ممكن؟
(1)
د. أكرم حجازي
10 / 12 / 2007
بدون أية مقدمات، وعلى غير العادة، فوجئت المنتديات الجهادية ليلة الثلاثاء (4/12/2007) بخطاب بثته مؤسسة الفرقان لأبي عمر البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية بعنوان: "فأما الزبد فيذهب جفاء". وبدون أية مفاجئات، وبعد صمت طويل تخللته أحداث كبيرة، جاء الخطاب، كعادة البغدادي، متسما بالشدة حينا وبالصراحة حينا آخر وبالغموض الذي يكتفي بالتلميح تارة وبالتصريح تارة أخرى، لكنه قلما اتسم بالسخرية كما هو الحال هذه المرة خاصة فيما يتعلق بما يروجه خصومه عن علاقة بإيران يبدو أنها وجدت من يصغي إليها في العراق وخارج العراق. والثابت من الخطاب أن البغدادي ما كان له أن يتوقف عند مقولات من نوع: (1) التنظيم الوافد أو الأجانب و (2) مسألة العلاقة مع إيران و (3) تعليق ما أسماه بالردة الجماعية على مشجب الأخطاء وغيرها من المسائل التي احتواها الخطاب لولا أن الظروف بدت له مواتية لوضع بعض النقاط على الحروف.
لذا فإن مقدمات الخطاب تبدو أكثر أهمية من الخطاب نفسه الذي بدا في لحظة ما معاتبا وساخرا وفي لحظة أخرى تقريرا إخباريا بامتياز وفي لحظة ثالثة مبشرا وفي لحظة أخيرة عقلانيا وهو يسرد وقائع الردة تاريخيا منذ ما قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبحسب عداد شبكة الإخلاص حتى كتابة هذه المقالة فقد مضى على إعلان دولة العراق الإسلامية 421 يوما، وهذه الفترة بحسب البغدادي كافية ليبشر بأن ما مضى هو: "إنجاز عظيم ولا شك حيث مرت الفترة الأصعب في تأريخ إنشاء الدول". وبالتأكيد فليست لدينا أية معلومات أو بيانات تدعم ما يقوله البغدادي، لكن المعطى الأبرز الذي لا يمكن إنكاره يكمن في فشل المشروع السياسي في العراق والحيلولة دون أي إنجاز على هذا الصعيد بالنسبة للخصوم والأعداء على حد سواء برغم شراسة الحملات الإعلامية والسياسية والأمنية والعسكرية التي حاولت تفكيك الدولة التي أعلنت بهدف: "الحفاظ على ثمرة الجهاد أن يقطفها أدعياء المشاريع السياسية".
أما المؤشرات السياسية فقد عبرت عنها أحدث التصريحات الأمريكية التي وردت قبل بضعة أيام على لسان قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بتريوس حين: "وصف مسلحي تنظيم القاعدة بأنهم لا يزالون عدوا خطيرا وأنهم أظهروا قدرتهم المستمرة على شن الهجمات"، ومع ذلك فقد أضاف: "أن تحقيق هدف إشاعة الأمن والاستقرار والديمقراطية في العراق أصبح في متناول اليد"، لكن هذه الإضافة لا تجعله متفائلا وهو يشير قبيل اجتماعه بوزير دفاعه روبرت غيتس: "إنه ينبغي ألا تستحوذ على الجانب الأميركي مشاعر مبالغ فيها حول تحقيق نجاح كبير".
بيد أن تردد بتريوس أو تناقضه أو تخبطه وضعت له النيويورك تايمز حدا وهي تتحدث عن: "أن الخطة الأمريكية بتجنيد العشائر السنية لمحاربة المقاومة العراقية توشك على الانهيار"، أو حين تنقل عن أحد المحللين وهو يعلق على الوضع الأمني في العراق قائلا: "بأن الحل العسكري قد حقق سلامًا مؤقتا يدوم طوال الانتخابات الأمريكية، لكن الوضع هش للغاية، حيث لم ينهزم أو يغلب أي من أطراف العنف كما أن الجذور السياسية للصراع لم تدرس، ناهيك عن أن تحل". وبلا شك فإن صيغة اللاغالب واللامغلوب تصب حكما في صالح الجماعات الجهادية.
وإذا كان من المهم الحديث عن الإنجازات فالأهم بالنسبة للبغدادي هو بقاء الدولة. وفي هذا السياق ثمة معطيات مثيرة لعل من الجدير الإشارة إليها كونها تمثل ما يشبه "الحصانة الذاتية" التي تحول دون نجاح الأعداء والخصوم في الترويج لفكرة تفكيك دولة العراق الإسلامية، بل تحول دون قدرة قادتها أنفسهم على القيام بخطوة من هذا القبيل:
1) أن الدولة ولدت من رحم تيار الجهاد العالمي وليس من رحم تنظيم بعينه، والإعلان عنها يمثل نسخة طبق الأصل عن تشكيل مجلس شورى المجاهدين، ولما يكون من غير الوارد تراجع المجلس عن ذاته خطوة إلى الوراء فمن غير المتوقع أبدا أن تفعل ذلك دولة العراق خاصة وأنها خطوة متقدمة عنه.
2) إن تنظيم القاعدة في العراق شارف على الزوال وهو أحد أعضاء المجلس، وما أن أعلنت الدولة حتى أعلن أبو حمزة المهاجر عن استشهاد أكثر من 4000 مقاتل وافد، فماذا بقي عمليا من تنظيم القاعدة خاصة وأن البغدادي كشف للمرة الأولى عن حل التنظيم رسميا فضلا عن الوافدين الذين لم يتبق منهم سوى 200 مقاتل؟
3) إن كون الدولة جماعة محلية باتت حقيقة واقعة لا يمكن تجاهلها فكيف بإنكارها؟ وبالتالي فإن مقولة التنظيم الوافد لم تعد قائمة لا من قريب ولا من بعيد، والاستمرار في ترويجها ليس سوى نوع من الغباء في التعامل مع الحقائق.
4) أما تُكوُّن الدولة فقد ترتب عليه أمرين بالغي الأهمية لمن يطالبون بحلها:
• أنها حين الإعلان عنها كانت تضم جماعات عديدة في صفوفها.
• وبعد الإعلان عنها انضم إليها آلاف المقاتلين من شتى الجماعات الجهادية.
• ولها رديف قوي جدا من القوى السلفية الجهادية التي وإن اختلفت معها في اجتهاداتها إلا أنها لا يمكن أن تصطف مع القوى المناهضة لها كخصم.
• وهي الآن، بعد مرور أكثر من عام على قيامها، ترتبط بعلاقات اجتماعية واسعة النطاق.
5) يمكن القول أن حل تنظيم القاعدة وذوبانه في الدولة سيعني بالضرورة حل الجماعات الأخرى لأن أحدا من مكونات الدولة ليس هدفا بحد ذاته ولا غاية بالنظر إلى فلسفة وعقيدة السلفية الجهادية.
أمام هذه المعطيات يصبح سهلا طرح السؤال بصريح العبارة: إذا كان الإعلان عن الدولة سهلا؛ فهل يمكن حلها بذات السهولة؟ وهل يمكن لقادتها، منفردين أو مجتمعين، الإقدام على خطوة الحل؟ بلا شك الجواب بالنفي. فلا السياسة الشرعية التي تعمل بموجبها السلفية الجهادية تجيز مثل هذا الإجراء ولا العقل يسمح للبغدادي وغيره أن يأمر رعاياه، قلوا أو كثروا، بالعودة من حيث أتوا. فكيف سيتصرف البغدادي، مثلا، بمن بايعوا الدولة أفرادا وجماعات؟ هل يعودوا إلى جماعاتهم!؟ وهل ستستقبلهم؟ وماذا سيقول للجماعات التي من المفترض أنها ذابت في التشكيل الجديد؟ وما الغاية من عودة الدولة إلى العمل بصيغة مجلس شورى المجاهدين؟
كل هذه المعطيات والتساؤلات ربما كانت في ذهن القادة المؤسسين لدولة العراق الإسلامية ولو أننا نرجح أن الكثير منها فاجأهم بعد الإعلان، فالدولة غدت عنوانا للتسرب الحاصل في بعض الجماعات الجهادية الأخرى، بسبب ما تسميه السلفية الجهادية بتمايز الصف، على خلفية الدخول في العملية السياسية أو التحالفات ذات الطابع السياسي، كما أن تفكيكها يعني التشتت والغدر بمن وضع ثقته فيها وتعريض المشروع الجهادي للخطر، وهنا بالضبط يمكن فهم إصرار البغدادي على ترديد عبارة "الدولة باقية" نحو عشر مرات في خطاب سابق له، فهي بالنسبة له "ما ينفع الناس ويمكث في الأرض"، و"يقينه" في خطابه الحالي: "أن الكفر بجميع ملله يفرح ويهلل لو عاد التنظيم وسائر التنظيمات المباركة المكونة لدولة الإسلام إلى أسمائهم واختفى اسم الدولة وهذا ما صرح به عملاؤهم"، وذلك هو "الزبد يذهب جفاء".