في ضوء وقفات البغدادي
الصحوات في ميزان القوى القائم في العراق
(3)
د. أكرم حجازي
13 / 12 / 2007
كنا قد تحدثنا في مقالة سابقة بعنوان: "الفاعل الاستراتيجي القادم على الساحة الدولية" عن الصحوات العشائرية في العراق باعتبارها آخر ما في جعبة القوات الأمريكية وهو ما أكد عليه البغدادي في وقفاته. وحتى هذه اللحظة تقول الأرقام المتوفرة عنهم أنهم قاربوا على الـ 80 ألفا من بينهم نحو 20 ألفا من الشيعة. وأنهم يشكلون 186 صحوة تعمل في 186 منطقة. وبالتأكيد فليس المقصود أبدا 186 عشيرة ولا 186 مدينة، وكنا قد أشرنا إلى أنهم يتواجدون على الأغلب في بعض المدن خاصة الأنبار وديالى والموصل وصلاح الدين وبغداد، وهذا يعني أنهم يتواجدون في القرى والأحياء والشوارع وعلى الطرقات وحيث يتواجد الهدف الذي أنشئوا من أجله، ظاهريا، وهو مقاتلة القاعدة دون أن يعني أنهم نجحوا في التواجد في كافة المناطق التي يسيطر عليها المجاهدون.
ولا شك أنهم آذوا المشروع الجهادي وبعض الجماعات الجهادية التي انسحبت من مناطق تواجدهم إما لعجزها عن مواجهتم أو اعتقادا منها أن مواجهتم قد تتسبب بفقدانها لحواضنها الشعبية. لكن بعض الجماعات بررت وجودها ورفضت إدانتها رفضا قاطعا ولم تعلن عن مقاتلتها، وربما تلاقت معها في بعض المصالح المشتركة بما يحقق لها غايتها، والبعض الآخر تحالف معها وشاركها في القتال، وآخرون نصحوها بالرجوع عن سقوطها المريع في خدمة قوى الاحتلال ووجهوا لها بيانات ونداءات مطولة.
أما في وقفات البغدادي فقد لاحظنا تأطيرا لها في السياق التاريخي والشرعي من جهة وتوزينها في إطار ما تشكله من مخاطر على المشروع الجهادي من جهة ثانية. فقد حرص البغدادي في خطابه على التذكير بأن الصحوات تقع في سياق ما يسميه بـ "الردة الجماعية"، وهو سلوك شهده العالم الإسلامي وتواصل دون انقطاع منذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الأمة، وبالتالي ما من منطق في الأطروحة التي تحاول تحميل "القاعدة" مسؤولية فقدان الحواضن الشعبية للمجاهدين أو تعليق هذه "الردة" على شماعة الأخطاء خاصة بعد سقوط بعض الأطروحات كالتنظيم الوافد وغيرها.
الحقيقة الأولى أن الكثير من القوى المجاهدة والعلماء رفضوا مثل هذه التبريرات التي اعتبروها "حجة" لضرب المجاهدين والقضاء على المشروع الجهادي، بل أن أحدهم كتب ناصحا ومحذرا: "يا شيوخ الأنبار: المعاصي لا تبرر الكفر!".
والحقيقة الثانية أنه في مشاريع المقاومة الوطنية كانت تقع أحداث عظيمة واقتتال دام بسبب الأخطاء وغيرها، ولم تكن لتؤدي إلى التضحية بالمشروع الوطني أو وضعه على المحك ودعوة العملاء ليشكلوا بديلا، وليست التجربة الفلسطينية في لبنان عنا ببعيدة، فقد كانوا يتقاتلون لأتفه الأسباب لكنهم لم يتخلوا عما اعتقدوه ثورة أو حركة وطنية ولو إلى حين، فهل يعقل أن يسع المقاومين ما لم يسع المجاهدين؟ بالتأكيد الجواب بالنفي. وبالتالي فما من مقارنة يمكن أن يعتد بها لمن يحاولون المساواة ما بين الأخطاء (كأسباب) ومصير المشروع الجهادي (كنتائج)، فالصحوات أولا وآخرا، هي مشروع أمريكي خالص، حتى لو أجبر المالكي على دفع رواتب لعناصرها، وليست هبَّة شعبية انتظمت بعفوية في عشرات المناطق، وهي تستهدف كافة الجماعات الجهادية، وهي أداة عدوانية لتحقيق أهداف أمريكية وليس أهدافا وطنية ولا احتياجات اجتماعية لا من قريب ولا من بعيد، فأي منطق، إذن، يبرر وجودها أو أفعالها أو المشاركة في مخططاتها؟! وبأي أيديولوجية أو شرعة يتطوع البعض لنصرتها، بغض الطرف عنها، ويتنصل حتى من إدانتها ناهيك عن مقاتلتها؟
الحقيقة الثالثة تقع في سياق خطاب البغدادي وهو يحاول بيان خطرها من خلال استعراض ميزان القوى القائم الآن في العراق، ففي الفقرة التالية إشارة إلى حجم القوى المعادية للمشروع الجهادي: "إن جنود دولة الإسلام ينازلون اليوم عدواً قوامه مليون جندي وحسب تصريحاتهم الرسمية, أكثر من نصفه يخوض حرب مباشرة مع دولة الإسلام, فعدة المحتل تزيد عن 300 ألف جندي وهو ما صرحوا به مراراً وتكراراً آخرها ما أكده الصحفي اليهودي سيمور هيرش في برنامج لفضائية الجزيرة, فالجيش الأمريكي تعداده الرسمي أكثر من 160 ألفاً, وشركات خصخصة الحرب نحو 180 ألف جندي عدا آلاف الكوريين والبولنديين والأستراليين وغيرهم, وعدة الجيوش الصفوية هي 300 ألف شرطي 280 ألف حرس وطني أضف إلى القائمة أكثر من 70 ألف عميل من الصحوات وعدة آلاف من خونة المقاومة المسماة الشريفة".
ومع كل هذه الأرقام تبقى الصحوات حجر عثرة ليس في وقف المشروع الجهادي بل في إعاقة فعالياته على النحو الذي كان عليه. ولأن الأمريكيين استعملوها رأس حربة في مقاتلة المجاهدين وسدا كبيرا يحول ما بين المجاهدين والقوات الأمريكية فإن إزاحتها من الطريق غدت أولوية بما أنها باتت: "آخر أوراق المحتل وأذنابه". ولو تتبعنا هجمات دولة العراق بالذات على الصحوات لوجدنا أنها احتلت الصدارة كما ونوعا، لكن العجيب في مواجهة الصحوات أنها غالبا ما تضع الرؤوس هدفا لها أكثر مما تستهدف الأفراد، أما الأعجب فيمكن ملاحظته في أن عشرات الرؤوس منهم سقطوا في مناطق مختلفة، وهذا مؤشر آخر عبّر عنه البغدادي بصيغة تقرير عن حالة الدولة في العراق وجهه ليس إلى المجاهدين ولا إلى جنوده بل إلى "أمة الإسلام" قائلا: "نبشرك اليوم بحالة دولة الإسلام في العراق فهي والحمد لله من حَسَن إلى أحسن بخلاف ما يحاول أعداء الله إظهاره للعالم والتأثير به على المجاهدين من أن المناطق بدأت تسقط في أيدي المرتدين من العملاء الخائنين و المنتكسين المنهزمين". لذا فالبغدادي الذي ضرب المثل بأصالة عشائر الدليم العربية مقابل الغزاة الأجانب لم يتوانى عن الإشارة للمرة الأولى، مطمئنا، إلى أن: "رِدَّة بعض شيوخ العشائر ومن والاهم تكاد تنحصر في بعض عشائر الدليم وطائفة من الجبور". وهو تصريح إخباري بانحسار حالة الصحوات العشائرية بعد أن تم تصفيتها في أغلب المناطق حتى في الأنبار حيث يقتصر تواجدها الآن في الرمادي وبعض المناطق المحيطة كما يقول أمير دولة العراق. ولعل في بعض الأخبار الواردة عن مواجهات واقتحامات في الأنبار ما يؤكد تصريحات البغدادي.
أما التصريح الثاني الذي لا يخلو من مضامين ذات مغزى فهو المتعلق بتأسيس "فيلق الصديق" لملاحقة الصحوات ورموزها، فإذا كان ما مضى من حرب شرسة أطاحت برؤوس العشرات منهم يقع في فترة تجريبية، كما قال، فالإعلان عنه بهذه الصيغة بالتأكيد ليس من باب السخرية ولا من باب التحدي والعنترة بقدر ما هو إشارة إلى أن تجربة مواجهة الصحوات أفرزت قوة أمنية متخصصة ذات خبرة وكفاءة ميدانية يتوجب الاستفادة منها مستقبلا ومأسستها وليس التفريط بها. كما أن تشكيل الفيلق سيعني في قراءة ثانية إحالة أمر الصحوات إلى القوة المعنية بها ربما بهدف التفرغ لاستئناف مقاتلة الأمريكيين بفاعلية أشد وأنكى مما مضى.
وفي هذا السياق لا بد من التذكير بالتصريحات الأمريكية الأخيرة التي يبدو أنها تصب في ذات الاتجاه وهي ترى بعد كل المواجهات السابقة ومحاولات الإضعاف أن "القاعدة جماعة خطيرة، وأن المجاهدين اثبتوا قدرتهم على إعادة ترتيب أنفسهم وشن هجمات خطيرة"، فهل سيتغير ميزان الحرب مع تراجع مشروع الصحوات؟ وهل سنشهد تصعيدا في المواجهات العسكرية؟ الثابت الوحيد أن بعض المجاهدين "أتوا من بلاد غريبة"، أما الأمريكيين فمن المؤكد أنهم ليسوا من عشائر الدليم.