الأنصار وسفر الحقيقة
القيمة (2)
د. أكرم حجازي
21/7/2008
إن وضع السفر في سياقه الصحيح مسألة تحتاج إلى جهد مكثف يتجه نحو تفكيكه منهجيا بدقة عالية كي تتضح قيمته، أما لماذا نفعل ذلك فلأننا نرى أن السفر ليس جهدا إخباريا ولا سردا تاريخيا أو روائيا، كما أنه ليس مجرد وقائع غير مؤطرة في سياقات محددة وصارمة بالنسبة لأصحابه. وبالتالي فالتفكيك يعني لنا محاولة لضبط النص بأقصى قدر من الموضوعية وبنفس الوقت تأطيره فيما نعتقد أنها سياقاته الطبيعية ومحاولة استكشاف ما أخفي منها.
الموضوع
لا شك أن صدى الهجمة على المشروع الجهادي في العراق يمكن معاينتها بيسر في إطار تقدم القاعدة وطالبان على الجبهة الأفغانية، لذا ابتعدت الأنصار عن كل ما يعكر صفو هذه "الحقيقة" لتجعلها الموضوع الوحيد في السفر ولا شيء غيره. فقد فصّل السفر في رأس الحرب على المشروع الجهادي مثلما فصّل في أدواته ذاكرا إياهم بالاسم. أما: "الاحتلال فهو الحل وليس المشكلة" كما يقول السفر. هذه الأطروحة هي سبب البلاء خاصة وأن هناك من أهل السنة تحديدا من قبل بها وتشكلت على أساسها الصحوات والجبهات والكيانات. ومن الواضح أن الأنصار أرادوا التركيز على جوهر الحرب على المشروع الجهادي وآليات اختراقه وليس على مشكلات المشروع. فلو توقفوا، ولو قليلا، عند أخطاء الجماعات وصراعاتها، أو عند بعض القضايا الخلافية، أو عند بعض الشخصيات الجهادية مثار الجدل؛ لوجدت مثل هذه القضايا من يستغلها ويقدمها على حساب جواهر السفر، وبالتالي حرفه عن أهدافه التي وضع من أجلها.
إذن فالموضوع محدد بدقة فائقة لا تسمح بأية اختراقات أو التفاف على "الحقيقة"، وكل ما دون ذلك مجرد تفاصيل وآثار وليست أصلا. وتأسيسا على ذلك فمن يرغب في المفاصلة لن يتأتى له ذلك خارج الموضوع. هكذا يمكن القول ببساطة أن التركيز على موضوع واحد كان بمثابة إغلاق محكم لباب الفتن والتشكيك، وضرورة تمليها "الحقيقة" كما يراها الأنصار دون تحريف أو تبديل أو تمييع أو تصيد في الماء العكر. ودون ذلك يعني ضياع "الحقيقة" أو التشويش عليها.
الفرادة
وبحدود اطلاعنا ومتابعتنا لم نقع طيلة السنوات الخمس على أي تقييم حاسم للمشروع الجهادي في العراق من أية جماعة جهادية كما فعلت الأنصار، اللهم إلا بعض البيانات العامة التي أصدرتها دولة العراق الإسلامية خاصة ذاك المعنون بـ: "حصاد السنين". كما لم تتوفر قراءات مبنية على معلومات دقيقة من المصادر، وكل ما تمت كتابته سابقا اعتمد على التحليل وقراءة الوثائق والإصدارات والبحث عن مقاربات في ضوء الأحداث والتصريحات وبعض الشهادات من هنا وهناك. لكن تأريخا رسميا، بمستوى "الحقيقة"، يصدر عن جماعة جهادية ويهتم بإجمالي المشروع الجهادي؛ فهو ما لم يحصل قبل صدور السفر، وهو ما يحمل الأنصار مسؤولية كبرى تجاه ما خفي لديها من معلومات خاصة أن المشروع الجهادي في العراق قطع مراحل حاسمة كانت نتائجها سريعة الظهور ولم تعد مما يخفى على المراقبين.
الغايات والأهداف
كان لافتا للانتباه افتتاح السفر بآية الصبر والمصابرة والمرابطة وتصديره إلى: "من تبلغه من المسلمين"، وهو بهذا المعنى لم يجر تصديره لا لجماعة معينة ولا لأهل العراق ولا لهذه القومية ولا لتلك. على أنه ثمة فرق بين غاية السفر والقوى التي يستهدفها. فما الذي يبرر صدور السفر؟ ومن هي القوى المستهدفة أكثر من غيرها؟
لما يكون السفر غاية فلأنه تكفل بـ: " الإجابة على بعض التساؤلات حول حديث الناس عن الساحة الجهادية" ولأنه معني بالكشف عن خلفيات: " التـحول أو التبديل المفاجئ الذي طرأ على الجهاد في ساحة الصراع" ولأن الأنصار ترى أنه بات "واجبا" عليها إبانة الحقيقة و "وتوضيح صورة عن مناهج الجهاد وأحوال المجاهدين" من أجل: " (1) التمييز بين الصورة الحقيقية والوهمية، أو الأصيلة والمنتحلة، التي تداخلت على كثير من المسلمين، و (2) شيوع الغموض لكثير من الحقائق التي لا يعلمها الناس، و (3) لمعرفة سلسلة مخططات الأعداء للأحداث التي سُجلت على مدى السنوات الخمس الماضية من الاحتلال، و (4) تبيان هذه الوقائع التي بنت هذه الأحداث".
وبالتأكيد، فإن الجماعات الجهادية كافة مستهدفة بالسفر، بل من الأولى القول أنه ما من جهة معنية بالشأن العراقي، داخليا وخارجيا (فردا أو جماعة أو مؤسسة أو دولة أو أمة)، إلا ويستهدفها السفر بشكل من الأشكال، فهو "سفر حقيقة"، والحقيقة ملك للجميع. لكن هل هناك من تعنيه الحقيقة من بين المستهدفين أكثر من أولئك الذين راهنوا على المشروع الجهادي في العراق أو عملوا به؟
قطعا، الإجابة بالنفي. لذا من المهم ملاحظة أن السفر يستهدف بالضرورة ثلاث تيارات على صلة مباشرة بالمشروع الجهادي وهي:
• تيار الجهاد العالمي وأنصاره الذي سيتنفس الصعداء وهو يتلقى دعما لحججه في مواجهة الخصوم. فالسفر، بالنسبة لهذا التيار، أطاح بكل التشكيلات التي تواطأت على ضرب المشروع الجهادي وأحبط كل الشبهات التي ألصقها الخصوم به دون وجه حق، وأسقط كل المواقف والفتاوى والتحركات التي استهدفت القاعدة بالتشويه والكذب والتحريض على قتالها.
• تيار الخصوم ممن دأبوا على التشكيك والطعن وتصيد الأخطاء والبحث عن الثغرات، وهؤلاء سيتضررون قطعا من السفر الذي سيضعف من حججهم. هذا التيار سيواجه صعوبات فائقة في مهمته مع أنه لن يعدم الوسيلة أيا كان مستوى انكشافه.
• التيار المحايد سواء من داخل التيار الجهادي أو من خارجه، وهؤلاء التبس عليهم أمر الجهاد أو وقعوا بالشبهات أو ممن ترددوا في مناصرة المشروع الجهادي. وسيوفر لهم السفر فرصة كبرى للمراجعة، لكن لن يحسموا مواقفهم قبل مضي فترة من الزمن تسمح بانتظار المزيد من تمايز القوى.
الأهمية
هكذا فإن قيمة السفر تكمن في أنه جاء من قلب المشروع الجهادي وليس من خارجه، والأهم أن مصدره جماعة هي الأقدم من بين الجماعات الجهادية كافة، وهي أول من خاض نزالا على أساس الحاكمية حتى قبل غزو العراق، وشهد لسلامة رايتها علماء لا يرقى إليهم الشك سواء في صفوف الأمة أو في صفوف المجاهدين. وهذا يعني أن الجماعة تتمتع بسبق تاريخي في الجهاد وبمشروعية شرعية يصعب على أية جماعة أخرى النيل منها لاسيما وأنها حظيت بمصداقية وثبات وقبول اجتماعي واحترام بين المجاهدين وأنصارهم.
لكن ميزة السفر أن صياغته خلت من الطابع الدفاعي للتنظيم، وهذه أكسبت السفر أهمية قصوى أتاحت للأنصار تقديمه باعتباره "حقيقة" وليس تحليلا سياسيا ولا اجتهادا ولا رؤية، فمن شاء فليأخذ بها أو يتركها. وقد يرى البعض أن قصة أبو وائل وأبو سجاد وعلاقة الأنصار بجبهة الجهاد والإصلاح طغت على النص فهو تقييم غير صحيح البتة. فهذه المسائل، بحسب السفر، كانت جزء من محاولات احتواء المشروع الجهادي قبل أن تتخذ إحدى جزئياتها (الهيئة الشرعية - أنصار السنة) طابعا تنظيميا سبق وأن ردت الأنصار عليها ببيانات عديدة.
المرجعية
لا ريب أن المرجعية العقدية والشرعية هي المرجعية الوحيدة التي حكمت مضمون السفر من ألفه إلى يائه. وهي منهجية طبيعية لجماعة سلفية جهادية لا تعترف بأية مرجعيات قانونية أو تشريعية أو فلسفات وضعية أخرى. وفي صميم هذا الإطار التزم الأنصار في السفر بحيادية صارمة وصراحة غير مسبوقة. وهذا يعني أن أي نقد يمكن أن يتعرض له السفر ينبغي أن ينطلق من المرجعية الدينية ويتأسس عليها أيا كانت القضية التي أثارها ابتداء من الموضوع وانتهاء بالتفاصيل.
أما منهجيا فقد صيغ السفر بلغة بالغة الدقة بحيث يلحظ القارئ عناية كبيرة جدا بانتقاء المفردات والعبارات وتمتعها بصراحة ومكاشفة وتوصيف دقيق للقوى والمفاهيم والمصطلحات الدالة على التمايز بين الجهاد والمقاومة من نوع هذه "جماعة" وذاك "فصيل"، وأكاد أجزم أن السفر، على هذا المستوى، تمت مراجعته عشرات المرات لغة وموضوعا ومنهجا قبل أن يخرج إلى العلن.
القوة
قيمة السفر أنه أخذ على عاتقه الجهر بما رآه حقائق. أما مصدر الحقائق فهم الأنصار أنفسهم. وحتى الآن لم نرصد أية ردود أفعال من أية قوة سنية بما في ذلك الجماعات الجهادية. ولا شك أن البعض سيضع مصداقية الأنصار على المحك، ولا نظن أن تاريخ الجماعة وصدقها وجهادها ومثل هذه المفردات ستشفع لها عند الخصوم. لكن من الأهمية بمكان تثبيت بعض الملاحظات للتفكير:
• إن قوة السفر بارزة في كون الأنصار لم يتلقوا طعونا خلال السنوات الخمس الماضية من القوى الجهادية وكذا السنية كالتي تلقتها القاعدة أو دولة العراق الإسلامية من الخصوم بغض النظر عن صحتها أو خطئها، لذا فالأنصار من المفترض أنهم ليسوا خصوما لأحد في الصف الجهادي، وبالتالي ما من مصلحة لهم في مهاجمة هذا الفريق أو ذك. وعليه فمن لم تكن له مثالب أو طعون ضد الجماعة فلا ريب أن مهمته في الرد على مضمون السفر ستكون صعبة للغاية.
• إن كل طعن في الأنصار، على خلفية السفر، سيعد مزيدا من الانكشاف للخصوم وانتصارا لخطاب القاعدة التي لطالما نفت الاتهامات الموجهة إليها دون أن تجد من ينصفها. لذا فإن سفر الأنصار الذي لم يأت على ذكر القاعدة إلا في سياق "التواطؤ على قتالها" جاء، بشكل أو بآخر، مبرئا لها ومصدقا لخطابها السياسي والعقدي، وهو ما رحب به أنصار دولة العراق الإسلامية على الرغم أن القاعدة أو "الدولة" ليست بمنأى عن انتقاد الأنصار بعيدا عن موضوع السفر.
• من المستحيل عقلا أن تصدر الجماعة نصا من سبعة عشر صفحة تسبغ عليها صفة "السفر" و "الحقيقة" دون أن تتحسب لردود الأفعال خاصة وأنها اعتبرته ملخصا مختصرا، وقالت بصريح العبارة: " لا بد لنا من توضيح ما مكننا الله به في هذه المرحلة "، وهذا مؤشر على أن الجماعة بيدها ما يكفي للدفاع عن نفسها في مراحل أخرى وإدانة الخصوم إن تجرأ أحد على مفاصلتها.
• من قرأ السفر جيدا سيلاحظ أن الأنصار زرعوا، في تفصيلاته لبعض القضايا، ألغاما أحسب أن الجماعة مستعدة لتفجيرها إذا ما دعت الضرورة باعتبارها جزء من الحقائق التي لم يئن أوان الكشف عنها. وتبعا لذلك فاغلب الظن أن الأنصار لن ينظر إليها الخصوم، بعد السفر، كجماعة محايدة حتى لو كانت محتوياته يقينا وليس فقط حقائق.