خريطة الموقع
السبت 4 فبراير 2012م



المقالات
:: الــجـهـاد الــعـالـمـي ::
:: الـعـراق ::
الأنصار وسفر الحقيقة 3: التحدي

د. أكرم حجازي





الأنصار وسفر الحقيقة

التحدي (3)


د. أكرم حجازي
22/7/2008




بعد يومين أو ثلاثة من صدور السفر أصدرت الأنصار شريطا مصورا بعنوان: "حماة الديار" نقلت فيه وقائع هجوم عنيف تعرض له مقر القوات الحكومية في مدينة المقدادية، لكن الملفت في الشريط أن القوة المهاجمة انسحبت من المدينة، وسط ترحيب الأهالي، بعد تفجير مقر الحرس الوطني فيها، وما وصفوه بأنه تأمين للمدينة. قد لا يكون ثمة رابط بين السفر والشريط، لكن لو كان هذا صحيحا لوزعت الأنصار شريطا آخر يستهدف مثلا القوات الأمريكية وليس الصحوات أو ما تسميه بقوات "الردة"؟

لا شك أن الجماعة أرادت أن تبعث برسالة تؤكد فيها على ما ورد في السفر بأن مشكلة المشروع الجهادي محلية وليست خارجية، وأنها مستعدة للتعامل مع المشكلة وفق ما تقتضيه طبيعتها. فإن كانت المواجهة المسلحة هي الحل الوحيد فلن يكون هناك حل إلا باقتلاع رؤوس "الردة" كما اقتلعتها في المقدادية. لكن قبل أن تظهر الصحوات كان المشروع الجهادي يعمل بقوة وفعالية ضد القوات الأمريكية والحكومية، ومع أن أغلب التحليلات تشير إلى احتراق هذه الورقة بيد الأمريكيين وهي بالتالي إلى زوال قريبا إلا أن الوقائع على الأرض تفرض علينا طرح السؤال التالي بكل ما يستحقه من تأمل: هل فشل مشروع الصحوات فعلا؟

أولا: مصممو المشروع

في البداية لم تكن المجاميع التي التحقت بالصحوات تتمتع بأية تغطية اجتماعية أو شرعية حين ظهورها، وكانت هذه علامات ضعف تعترض مشروعيتها وتعيق استمراريتها. لذا كان من الضرورة العملية استدعاء مشايخ المارينز والاحتلال كعبد الغفور السامرائي وأمثاله لتوفير الفتاوى اللازمة وتقديم صكوك الغفران حتى يبيت قتلى الصحوات شهداء خالدون. ومع ذلك، وتأسيسا على أن المشروع أمريكي أولا وآخرا، فلم يكن متيسرا للصحوات أن تنجح حتى لو دفع الأمريكيون أموال الأرض ما لم تحتضنها بعض الجماعات الجهادية سواء بالانخراط بها بشكل مباشر وقيادتها أو بالتبرير لها أو بمحايدتها، فـ "لا نقاتلهم ولا يقاتلونا"، وهي معادلة سقطت منذ اللحظات الأولى على الأرض. إذ لم تستطع أية قوة جهادية أن تقاتل الأمريكيين انطلاقا من مناطق سيطرة الصحوات، هذا إن سلمت من أذاها أصلا.

لم يكن للأمريكيين من هَمّ إلا أن يوجدوا الصحوات ويوقفوها على قدميها بأي ثمن كان. وكانوا يعرفون أصولها الاجتماعية وسمات أفرادها ومرجعياتهم وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية وتاريخهم الجنائي والسياسي والحزبي. بل أنهم كانوا يخضعون المتطوعين إلى مقابلات دقيقة ومهينة قبل اعتمادهم، ثم شرعوا في تدريبهم وتسليحهم ومنحوهم كل صلاحيات القوة من القتل إلى النهب إلى اقتحام البيوت والتهديد وممارسة شتى أنواع البلطجة. وكانوا كرماء في ضخ الأموال في شرايين رموزها تاركين لهم تصريف شؤون الأفراد ودفع رواتبهم عبر قائد الصحوة مباشرة الذي كان يسرق النصف ويوزع النصف في أحسن الأحوال.

كل هذا، كان مرحلة حققت أهدافها للأمريكيين، فضعف المشروع الجهادي فعلا، واستقر الوضع في صالح الأمريكيين. ومع أنهم انتقلوا إلى المرحلة الثانية قبل شهرين على الأكثر إلا أن اعتقادا ساد يصر على أن الصحوات في طريقها إلى الزوال بعد أن استنفذت الأهداف التي أنشئت من أجلها، وأنها كمشروع فشلت. وعلى الأرجح أن الأمريكيين يتجهون الآن نحو تثبيت مشروع الصحوات عبر عدة آليات كفيلة بجعله استثمارا ناجحا حتى على المستوى الفردي عبر:

• تنقية المشروع من العناصر المنفرة وإبعاد الرموز التقليدية إلى الخارج باعتبارهم أوراقا مستهلكة ومكافئتهم بما غنموا من الأموال. وفي المقابل صناعة رموز جديدة لقيادة المشروع.
• إصدار مذكرات اعتقال واتهامات بالجملة ضد الرموز التقليدية بمجرد الإيعاز لهم بمغادرة العراق، والعمل على تشويه صورتهم عبر إظهارهم على حقيقتهم كقتلة ولصوص وفاسدين بعكس صورتهم السابقة كأبطال ومحررين لمناطقهم من طغيان القاعدة والإرهابيين.
• تقديم المشروع بصورة نزيهة عبر شن حملة إعلامية لتحسين صورته والثناء على إنجازاته.
• دعوة المنتسبين للمشروع إلى تسلم رواتبهم مباشرة دون وسيط مالي مما يضمن للمنتسب انتظاما في حقوقه المالية كاملة غير منقوصة بخلاف الوضع في المرحلة الأولى حيث عمد قادة الصحوات إلى تأخير صرف الرواتب لشهرين أو ثلاثة متتالية أو الاستيلاء على نصفها كليا أو جزئيا.

أليست هذه حوافز لمشروع مستمر يجري ترقيته ورعايته كل حين؟ وهل يعقل أن تصدر مذكرات اعتقال بحق رموز الصحوة "الفارين"، بينما تعجز الولايات المتحدة عن القبض عليهم وكأنهم غادروا الغلاف الجوي؟

ثانيا: كورس المشرعين للصحوات

لا ريب أن السفر اعتنى جيدا بتوصيف حجم وبنية القوى المحلية المعادية للمشروع الجهادي وأصولها الفكرية، واستشهد، على سبيل الذكر، بكون رموز العشائر ممن بادروا بتأسيس مجالس الإنقاذ مثل حميد الهايس وأمثاله هم من القوميين والعلمانيين المعادين أصلا للإسلام، وهم أيضا: "أول من مدّ يده للمحتل في الأنبار". ولعل المتابعين لتصريحات الهايس يتذكرون دعواته الحالمة عن اليوم الذي تصبح فيه الأنبار محافظة عصرية تعج بالنوادي والملاهي الليلية والكازينوهات والحريات الشخصية وتتمتع فيها المرأة بحرية مطلقة! لا يعكر صفوها المتطرفون والإرهابيون.

بل أن السفر كاد أن يفرغ ما في جعبته من السلسلة الطويلة للعلمانيين والقوى المحسوبة على السنة وفي مقدمتهم الحزب الإسلامي وجبهة التوافق بوصفها قوى حليفة للأمريكيين ربطت مصالحها ووجودها بالاحتلال، ورحبت به، وعبرت عن استعدادها للوصول معه إلى تفاهمات طويلة الأمد. أما لماذا هي طويلة الأمد، وهذه مني، فأخشى أنها حرصت على "الاحتفاظ" بمدة زمنية كافية تطمئن فيها على انقضاء أجلها بسلام خلال الوجود الأمريكي، وإلا فهي قوى مهددة بحياتها أو بالفرار إذا ما انسحب الأمريكيون قبل أن يتوفاها الأجل! إذ أن توجهاتها السياسية وكرمها السياسي ليس له أية علاقة لا بمصالح العراق ولا بمصالح الأجيال القادمة ناهيك عن مصالح الأمة التي باتت مهددة من كل حدب وصوب بفعل الدور الذي تلعبه هذه القوى كجسر عبور للقوى الغازية والمعادية للأمة.

هؤلاء بلغة السفر هم:
]"الفريق الضخم من تحالف العملاء، والمنافقين، على اختلاف أشكاله وأنواعه، متوافقون، أو متنافسون، أو متحاربون، لا يخرجون عن دائرة العمالة للمحتل، والنفاق للمجتمع، وهم أولاً وآخراً، عيون المحتل، واستخباراته، متلونين بكافة ألوان اللغات السياسية، والمبادئ، والقيم".
ومع ذلك، ويا لغرابة التوصيف،:
1) لا يجمعهم منهج مبدئي ثابت، ولا قيميٌ أصيل، بل الجامع والرابط لهم بالمحتل المصلحة الآنية المتحققة،
2) ولا تقتصر هذه الفئات العميلة على تيارٍ فكريٍ بعينه, ولا زمرةٍ عرقية، أو دينية معينة..
3) وفي هذا الطابور، ترفع الرايات بمختلف الشعارات، والهويات، بدءاً من الإسلامية المزعومة, ومروراً بكامل ألوان الطيف السياسي!!
4) وجميعهمٍ لا ينتمون إلى أمة الإسلام إلا بالأسماء والأشكال [.

كل هؤلاء، بنظر السِّفر خاصة والسلفية الجهادية عامة، "مرتدون" و "تجار جهاد"، ومشاركون، ومبادرون، ومتطوعون في ضرب المشروع الجهادي في العراق، فهم مَن خدع المجاهدين في الفلوجة وأراقوا دماء أهل المدينة وغطوا على المجازر الوحشية التي ارتكبت فيها، وهم من حاربوا المجاهدين وطاردوا أهله في الأنبار وديالى والموصل وسامراء وبغداد والقائم وتلعفر والمحمودية وتكريت وصلاح الدين... وهم من أسس الصحوات ودعمها ووفر لها الغطاء الكامل، وهم من أعلن حربه على المجاهدين بحجة حماية مناطق السنة من خطر الرافضة، وهم أنفسهم من خدع أهل السنة بالأطروحة الأمريكية عن خطر الرافضة بينما هم يشاركونهم في الحكومة وفي اتخاذ القرارات ويوقعون معهم المعاهدات والاتفاقيات.

ثالثا: الحقائق

الحقيقة الأولى: إن مشروع الصحوات ألحق جرحا بليغا في المشروع الجهادي ولما يزل رغم أنه تلقى ضربات بالغة الشدة والعنف شملت معظم المناطق، وأشد الحصون، ومع ذلك ما زالت الصحوات توالي الظهور رغم السقوط المريع لأغلب رؤوسها من أبي ريشة إلى أبي العبد والتميمي.

الحقيقة الثانية: من الواضح أن الحرب على الصحوات نجحت في ضرب الأفراد والرموز، ومع أنها حققت اختراقات أمنية معتبرة باعتراف الأمريكيين والحكومة العراقية والأطراف الداعمة لها إلا أنها (الحرب) فشلت حتى اللحظة في إسقاط المشروع. وعلى قاعدة أن مشروع الاحتلال هو الاحتلال ذاته، فمن غير المتصور انهيار المشروع بمقتل هذا الرمز أو فرار ذاك. وعلى العكس من ذلك فإن عمليات القتل، في كثير من الأحايين، طالت الرأس والأبناء والعائلة وحتى الأقارب. ولو كان مصير المشروع متعلقا بالأفراد لانسحب هؤلاء منذ زمن وكفاهم ما خسروه، وخلاف ما يشاع ثمة أخبار تبشر بتشكيل صحوات نسائية لمواجهة مقاتلات القاعدة.

الحقيقة الثالثة: إن الأمريكيين، بحسب سفر الأنصار، يمولون ثمن الاحتلال من قرابين السنة وليس من قرابينهم، ولا ريب أنه تمويل من أرخص التكاليف وأكثرها فاعلية. لكن لو انقلبت الصورة، وعادت الجماعات الجهادية إلى سابق عهدها في استهداف القوات الأمريكية بالذات فهل ستكون النتائج متماثلة؟ نطرح السؤال في ضوء أن السفر يتحدث عن "فرق ضخم من تحالف العملاء" له قاعدة اجتماعية تتواجد في مختلف التشكيلات الاجتماعية وليس عن عملاء احتلال هنا وهناك.

والحقيقة الرابعة: من الخطأ النظر إلى الصحوات كمشروع آني يمكن أن ينتهي بمرور الوقت، فمثل هذه النظرة عصية على الفهم. إذ أن الأمريكيين كقوة احتلال استنفذوا تقريبا كل طاقاتهم العسكرية في مواجهة المشروع الجهادي، ولم يتنفسوا الصعداء إلا بمراهنتهم على مشروع الصحوات التي نجحت في المهمة من حيث فشلوا. ولعل كل متابع يتذكر تصريحات الرئيس الأمريكي وهو يعترف صراحة: "كانت الأمور صعبة، وكنا نخشى بأننا قد نخسر الحرب في عام 2006". فهل من المنطقي الاعتقاد بأنهم سيتخلون عن المشروع بهذه السهولة وهو مشروع إنقاذهم؟ ثم ما هو البديل المتاح أمامهم؟ الانسحاب من العراق؟ ممكن. لكن بأية شروط؟

الحقيقة الخامسة: إن سفر الأنصار بدا وكأنه يدرك هذه الحقيقة بامتياز حين ربط بين الصحوات والجبهات والقوى الداعمة لهما محليا ودوليا. وبهذا المعنى يكون مشروع الصحوات، إلى أجل غير محدد، خيارا استراتيجيا أمريكيا وإقليميا ومحليا. فالصحوات ما زالت تثبت، بالنسبة للأمريكيين، أنها عاملا رئيسيا معيقا للمشروع الجهادي. وتكلفة انتشارها، ماليا، أرخص بعشرات الأضعاف من تكلفة مدرعة همر يمكن أن تشغل فصيلا من عشرين رجلا طوال شهر كامل.

الحقيقة السادسة والأخيرة أننا ما زلنا بحاجة إلى أسفار أخرى كي نطلع على المزيد من تعقيدات الوضع العراقي وحقيقة ما يجري هناك. فهل تفعلها الجماعات الأخرى؟ أم ستكتفي بالرد على سفر الأنصار؟ أم ستصمت بحيث يغدو السفر الحقيقة الوحيدة المتاحة؟ لا شك أن دولة العراق الإسلامية ليست معنية في الرد، لذا، في المسألة نوع من التحدي لمن طاله السفر بسوء الذكر وأطبق صمتا!

نشر بتاريخ 01-03-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 1.44/10 (1104 صوت)


 

القائمة الرئيسية





إصدارات المراقب

أوقات الصلاة
استعلم عن مدينة اُخرى

القائمة البريدية

التقويم الهجري
12
ربيع أول
1433 هـ

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.almoraqeb.net - All rights reserved

: عدد الزوار

 

Development by :  شــآم

 


المقالات | المكتبة | الرئيسية