خريطة الموقع
السبت 4 فبراير 2012م



المقالات
:: الــجـهـاد الــعـالـمـي ::
:: الـعـراق ::
تمايز جيش المجاهدين: إلى أين؟ 2:ملابسات

د. أكرم حجازي





"تمايز" جيش المجاهدين: إلى أين؟

ملابسات الخطاب (2)


د. أكرم حجازي
29/7/2008




بلا شك، فقد أوقع جيش المجاهدين نفسه، منذ زمن، بمفارقات بالغة الحرج سواء مع النص الشرعي ومع نفسه كجماعة جهادية ومع قواعده أو مع جماعات جهادية أخرى نظرت بعين الريبة إلى تحالفات لا تتفق مع تاريخ الجيش وعقيدته ومنهجه الجهادي. وبدلا من إزالة الريبة والشكوك والغموض ووضع النقاط على الحروف جاء كتاب التمايز، ليلحق المزيد من الضرر في مصداقية الخطاب السياسي والشرعي.

فمن جهة، أظهر "التمايز" الجيش كما لو أنه المعصوم من الخطأ والخطيئة بينما هو غارق في أطر سياسية شارك في صناعتها قبل غيره، وعاين فيها سيلا جارفا من المنكرات قبل أن يفارقها، ومن جهة أخرى قدم "المناصحة" كمبرر وحيد لطول بقائه في تحالفاته متجاهلا سلسلة طويلة ومؤلمة من الكوارث التي حلت بالمشروع الجهادي. وهو مبرر أضعف من أن يصمد أمام أي مستوى من المحاججة حتى لو كان مصدرها، باعتراف الجيش، عامة الناس وليس خاصتهم فحسب. وأكثر من ذلك، فـ "التمايز" طرح العشرات من القضايا والأسئلة، بصيغة غاضبة، لكنه لم يجب على واحدة منها ولو أن الكثير منها ورد أيضا في صيغة استنكارية أو تهكمية كما قلنا سابقا. ولأن المعاينة تكشف الكثير من التناقضات حتى في سياق الجملة وليس فقط في سياق الخطاب فإن أقل ما يقال في "التمايز" أنه خطاب ملتبس بامتياز، وهذا يكفي لإثارة الشبهات وتعريض الجيش وقواعده، على كل مستوى، إلى استنزاف خطير إنْ لم يتدارك الأمر. أما الآن، وبعيدا عن الأطروحة السلفية الجهادية، فلنعاين بعض الأطروحات مثار الجدل.

أولا: غياب "الأدلة اليقينية"

صدر البيان الأول عن جبهة الجهاد والإصلاح في 2/5/2007، أي بعد أقل من شهر على صدور بيان الجيش الإسلامي ضد القاعدة (5/4/2007). وهذان التاريخان يتوافقان مع بروز ظاهرة الصحوات وتأسيس مجالس الإنقاذ خاصة في الأنبار، وقبلهما التسريبات المتعلقة بالتفاوض مع الأمريكيين ولقاء مندوبين أو قادة من الجيش الإسلامي مع زعماء عرب. أما قصة أبي وائل وأبي سجاد اللذين ساهما بتأسيس الجبهة باسم الهيئة الشرعية لأنصار السنة آنذاك فقد شاعت أخبار اختراق الأمريكيين لهما وتحميلهما مشروع الوحدة بين فصائل المقاومة في العراق ووقف إطلاق النار وتأمين مرور القوات الأمريكية في مناطق سيطرة السنة قبل أن يصدر بيان الجيش الإسلامي. ومع أن الشواهد أكثر من أن تحصى إلا أن جيش المجاهدين الذي يعلم على ما يبدو بهذه الأحداث والوقائع يصر على أن: "هذه المنكرات لم تثبت عنده حين التأسيس".

لكن الثابت الأهم أن "التمايز" لم يصرح بأي تأريخ لأية واقعة. والمهم أن الجيش، عبر الجبهة، مضى في توسيع تحالفاته إلى أن أُعلن عن تأسيس المجلس السياسي للمقاومة العراقية في 10/10/2007. إلا أن الجيش انسحب من الجبهة بتاريخ 2/7/2008، أي بعد سنة وشهرين بالضبط، وبعد أكثر، قليلا، من تسعة أشهر من تأسيس المجلس السياسي، وبعد نحو تسعة أشهر من إصداره دراسة "من يغسل عار العشيرة؟" و"وصفة الصياد" على خلفية ما:"نمي إليه في حينه من نية البعض الدخول في الصحوات والهدنة" كما يبوح به "التمايز". لكن لماذا تأسست الجبهة؟ ومتى انسحب المؤسس؟ لنتابع برفق.

يقول الجيش في "التمايز": "يعلم الجميع أننا ما تنادينا بادئ ذي بدءٍ لهذا التحالف إلا (1) تعاونًا على البر والتقوى، و (2) حرصاً على تكثيف العمليات العسكرية ضد العدو المحتل وأعوانه، ... و (3) قطعاً للطريق على من كان يحرص أن يكون بطانة لهم من الحزب الإسلامي، وجبهة التوافق، ومنافقين غيرهم من هنا وهناك". أما مبرر البر والتقوى فلندع الوقائع تتحدث عنه.

ففي 30 / 5 / 2007، بعد ثلاثة أسابيع من تأسيس الجبهة، تفجرت أحداث العامرية بين الجيش الإسلامي والقاعدة، وذهب ضحيتها العشرات وربما المئات من المجاهدين اعتقالا أو قتلا، وتلقت القاعدة اتهامات بالعمالة للقوات الأمريكية من د. إبراهيم الشمري أدلى بها لقناة الجزيرة. لكن في اليوم التالي تبين أن قوات أبو العبد أمير الجيش الإسلامي في المنطقة هي من أطلقت الفتنة وبدأت القتال بدعم من القوات الأمريكية التي وقفت تراقب الموقف كما لو أنها في قاعة عرض سينمائي! ولم يصدر جيش المجاهدين أي بيان تجاه الأحداث.

ويعلم الجيش علم اليقين أن حماس العراق خرجت من رحم كتائب العشرين على خلفية فتنة دموية، وكانت الشبهات تحوم حولها لجهة المبررات التي دفعتها للانشقاق والدور القادم الذي ستلعبه كربيبة للحزب الإسلامي أو جبهة التوافق ورموز المنطقة الخضراء إلا من رحم الله.

وفعليا لم يطل وقت الاختبار، ففي 19 / 6 / 2007، بعد شهر ونصف من تأسيس الجبهة، شنت القوات الأمريكية والحكومية رفقة الحزب الإسلامي وقوات بدر وغيرها حربا طاحنة على مقاتلي السلفية الجهادية في ديالى، ومنذ اليوم الأول صدرت التصريحات الأمريكية تباعا وهي تروم صيد عصفورين بحجر واحد عن مشاركة كتائب العشرين في المعارك ضد القاعدة، وآنذاك عرف العالم أجمع أن المقصود هي حماس وليس الكتائب التي أصدرت البيان تلو البيان وهي توضح وتحذر من استغلال اسمها وتنكر أي تواجد لها في ديالى مشيرة ضمنا إلى تواجد حماس العراق في المنطقة دون جدوى، إلى أن أعيتها البيانات فسمتها بالاسم مثلما فعلت هيئة علماء المسلمين عبر تصريحات الضاري أو الفيضي.

هذه بعض أبرز الوقائع التي جرت قبل إعلان الجبهة وغداتها بأسابيع قليلة إلى حين تأسيس المجلس السياسي. ولا شك أن أي محلل سيصل إلى نتيجة حاسمة في هذا السياق وهي أن جيش المجاهدين لم يكن في وارد النصح حتى إصداره "وصفة الصياد" في 20/10/2007! فعن أي مستوى من البر والتقوى يمكن الحديث؟ وبأي منطق يوقع الجيش على قرار تأسيس المجلس (4/9/2007) الذي أُعلن عنه في 10/10؟ وفجأة بعد عشرة أيام أخرى بالضبط تصدر "وصفة الصياد"؟ فلماذا يوافق الجيش على البقاء في مجلس بعض قياداته وأعضائه يرومون الدخول في مشروع الصحوات والهدنة؟ اللهم إلا إذا كان علم بالأمر في العشرة أيام التي تلت الإعلان، وهذا مما لا يقبله عقل.

ألم يكن من الأولى بالجيش الانسحاب بدلا من توسيع تحالفاته رغم ما تناهى إليه من شبهات؟ لا شك أن السؤال مشروع لو لم تتجمع بعض المعطيات التي تتجه نحو تقرير بعض الأمور المثيرة. ففي سياق "التمايز" يشير الجيش إلى معارضته قتال "أهل الغلو" بالاستعانة بالصليبيين، لكنه لم يشر إلى موافقته على ذلك بدون الصليبيين، ومع أن لازم القول ليس بلازم إلا أن أحداث ديالى والعامرية كانت كافية له للانسحاب. ولأنه لم يفعل فقد بدا أن الجبهة ضالعة فيما يحدث من قتال دموي حتى لو لم يكن جيش المجاهدين طرفا مباشرا فيها، وهذا ما أشار إليه أبو عبد الله الشافعي أمير الأنصار لما عرض عليه أبو وائل وأبو سجاد تشكيل تحالف "للوقوف بوجه القاعدة"، بالإضافة إلى سفر الحقيقة الذي كشف النقاب عن خلفية تأسيس الجبهة بهدف "قتال القاعدة". وهذا الأمر بالذات يلقي على جيش المجاهدين مسؤولية كبرى في توضيح هذه النقطة بالذات خاصة وأنه عارض الصحوات وأنكر المنكرات لكنه لم يقاتلها، فهل قتال القاعدة أولى من قتال الصحوات؟ وهل لهذا علاقة بفشل جهود الجبهة في ضم جبهة الجهاد والتغيير إليها خاصة كتائب العشرين وجيش الراشدين؟

كان من الممكن أن يكون الجيش أكثر وضوحا وأكثر صراحة فيما قدمه من مبررات، لكنه آثر الصمت من جهة وقدم نصا فوضويا يشوبه الكثير من الغموض. فالأدلة لا تحتاج إلى التثبت كل هذا الوقت فيما الأحداث تسير بسرعة البرق. فما الذي أبقى الجيش كل هذه الفترة؟ سؤال لم يجب عليه الجيش بعد.

ثانيا: التناصح وسط العاصفة

في الحقيقة لم يصدر حتى الآن رد رسمي من أية جماعة أو حزب على كتاب "التمايز" مع أن الجميع معني في الرد بما أن أحدا لم يفلت من "التمايز". لكن كيف يبرر الجيش بقاءه في تحالفاته حتى اللحظات الأخيرة من شبه انهيارها؟

يقول "التمايز": "نؤكد أن بقاءنا معهم في المدة السابقة كان صورياً, لمصالح شرعية معتبرة عندنا كالنصح وغيره ... ". أما عن "المفارقة" فوقعت عند الجيش بعد أن: "بانت لنا حقائق خطيرة, وكان بعضها يُقال، لكنها لم تثبت عندنا بوسائل الإثبات الشرعية, فلما ثبتت عندنا استفرغنا الوسع في النصح فلم ينتهوا, وقد بقينا معهم طوال هذه المدة محاولين الإصلاح ظنّا منّا أن نصحنا لهم ونحن معهم في جبهة واحدة أو مجلس واحد أكبر تأثيرًا". أما البقاء الصوري فيرده "التمايز" إلى: "نصيحة كثير من أهل العلم والتجربة"!

لسنا بوارد الرد الشرعي على هذا التبرير للمفارقة، فهو من حق أهل الاختصاص. لكننا نكاد نجزم أنه لو كان لدى الجيش مبررات أقوى مما احتواه "التمايز" لما قصّر في إيرادها. وعليه فلنثبت بعض الملاحظات عساها تفسر بعض المواقف أو تساهم في الكشف عنها:

• إن ما وصفه "التمايز" بـ "الحقائق الخطيرة" هي عينها المنكرات التي صنفناها، في ثلاثة مجموعات من الجزء الأول من المقالة. وبالتأكيد فإن ما خفي أعظم مما ذكر. لكن الغريب هو احتجاج الجيش بعبارة: " لم تثبت عندنا بوسائل الإثبات الشرعية"! فهل يعقل الاحتجاج بمقولة ينفيها "التمايز" نفسه؟ وهل يعقل أن يستمر الجيش في البحث عن "الأدلة اليقينية" للمنكرات بينما يقول عنها في موضع آخر من "التمايز": "أنها لم تعد تحتاج إلى أدلة عند كل عراقي عامي وغير عامي ..." لإثباتها؟

بهذا المعنى من المؤكد أن الجيش انسحب من الجبهة، فقط، بعد أن عرف العامة و"طفت المنكرات على السطح"، وهذا لا يستقيم مع ما تلقاه الجيش من "نصيحة كثير من أهل العلم والتجربة" ولا مع كون الجيش يعج بـ "العلماء وطلبة العلم" إلا إن كانت النصيحة إياها من داخل الجيش نفسه.

• كان بوسع الجيش الانسحاب مبكرا عملا بمبدأ شرعي يقضي بـ "اتقاء الشبهات" لكنه لم يفعل، وفضل النصح رغم أن الحدث العراقي، بالمقارنة مع أحداث عالمية كثيرة وخطيرة جدا، بدا ولمّا يزل حتى الآن يمتاز بسرعة التقلب. فالوضع العراقي ليس هو الوضع الفلسطيني ولا الوضع اللبناني ولا الأفغاني ولا الشيشاني حيث التغيرات في هذه البلدان بطيئة، وقد تستغرق سنوات قبل أن تظهر آثارها. أما في العراق فالأحداث شديدة التسارع ومخيفة جدا، فقد سقطت بغداد فجأة وانقلبت الطوائف على بعضها بلمح البصر وظهر الجهاد فور وقوع الاحتلال؛ فتفاجأت الأمة والأمريكيون والدول والمثقفون والخبراء وأجهزة الأمن والمخابرات حتى أن الزرقاوي قتل وأغلب المثقفين يشككون بوجوده فكيف بالعامة؟ وفي ظرف ثلاث سنوات لا أكثر كاد الأمريكيون يفقدون صوابهم وهم يئنون تحت وقع ضربات ما شهدتها حرب لا في فيتنام ولا في كوريا ولا غيرهما، فالحرب كانت ساحقة وماحقة لا مساومة فيها ولا تسامح، أما د. أيمن الظواهري فقد أخذ يتغنى بأمجاد العراق والحرب التي قصمت ظهر أمريكا. أما الرئيس الأمريكي جورج بوش فقد صرخ بأعلى صوته مخاطبا الزعماء العرب: ماذا يريدون؟ لماذا لا يتحركون وأنظمتهم مهددة؟ وفعلا لم يتنفس الأمريكيون الصعداء إلا على وقع اختراق الجانب السني في الصميم.

لذا فإن تشكيل الجبهة بلغة "التمايز" كانت كارثة، وبقاء الجيش لأكثر من عام في أوج الإعصار يعتبر فترة طويلة جدا، وغير مبررة، لا بالمناصحة ولا بإحسان الظن ولا بمشروعية البحث عن "الأدلة اليقينية"، فالأمور تقاس بنتائجها. والنتائج تراجع المشروع الجهادي. إذ لا يعقل أن ينشغل الجيش، إلى هذه الدرجة، بالتفتيش عن الأدلة اليقينية ومن ثم الدخول في مناصحات عقيمة بينما تتضخم الصحوات وتتحول إلى مشروع احتلال اجتماعي يحظى بغطاء من بعض المشايخ، فيما المناطق والمدن والأحياء تسقط تباعا بيد الصحوات الواحدة تلو الأخرى سواء في بغداد أو الأنبار أو ديالى أو سامراء أو تكريت أو صلاح الدين ثم تتلقى الموصل هجوما جرارا عليها. فمن يتحمل خطأ الاجتهاد؟ ومن يتحمل خطأ النصيحة؟ ومن يتحمل مسؤولية ضرب المشروع الجهادي وإضعافه؟ ومن يتحمل أحداثا جسيمة بحجم العامرية وديالى والأنبار ويظل على اجتهاده كما لو أنه آية؟

• لو راجعنا الهزات التي تعرضت لها جبهة الجهاد والإصلاح سنلاحظ أن جيش الفرقان انشق عن الجيش الإسلامي، في وقت مبكر (18/7/2008) من تأسيس الجبهة، وعلل انشقاقه بـ: "مخالفات شرعية" و "فتن صاغها المحتل وأعوانه وأخرى هي من عند أنفسنا" و"استعجال قطف الثمرة و"انحراف البعض عن المنهج النبوي" وأخذ الناس بـ: "بالشدة والغلظة وعدم الرفق والحلم والتدرج وعدم مراعاة منازل الناس"، وعليه "نعلن انفصالنا من الجيش الإسلامي ... ونتبرأ من كل ما خالف شريعة الرحمن". أما جيش الفاتحين فقد أعلن انسحابه من الجبهة في بيان صدر عن مكتب الإمارة بتاريخ 1/1/2007. وبرر انسحابه بالقول: "أن هذا المشروع لن يحقق لنا هدفنا المنشود بسبب ما وجدنا من اختلاف بين الواقع في الساحة الجهادية وبين ما تم الاتفاق عليه من منهج وثوابت في الجبهة"، مشيرا" أننا بينا الخلل وحاولنا الإصلاح جاهدين ولكنا وجدنا نفورا وتعاليا من الآخرين ... نحسب أنفسنا اجتهدنا ... وأخطأنا ... راضين بكل ما قد يقال فينا من انتقاد". فهل تختلف مبررات انسحاب جيش المجاهدين عن مبررات انشقاق الفرقان وانسحاب الفاتحين؟

• في مقالة وصفها كاتبها بـ "الرسالة" لـ: محمد بن زيد المهاجر بعنوان: "جيش المجاهدين بين سير الخالدين واستدراج الماكرين" صدرت بتاريخ 7/1/2008. وعتبت الرسالة على تحالفات الجيش ومحاولات الإيقاع به آملة أن يعود عنها في أقرب وقت. والحقيقة أن الرسالة لاقت ترحيبا من الجيش الذي رد، عبر مكتبه الإعلامي، بـ "ملاحظات" على الرسالة تضمنت تبريرا لتأسيس الجبهة والدخول فيها بحجة: "فقه الاستضعاف"! بينما برر بقاءه في "التمايز" بالمناصحة. فهل جيش الفرقان الذي وصفه د. إبراهيم الشمري بـ: "المجموعة الصغيرة" أقوى من جيش المجاهدين؟ ثم كيف يكون استضعاف في حين ومناصحة في حين آخر؟ فها هو جيش المجاهدين انسحب من كل تحالفاته؛ فهل هو أقوى الآن من ذي قبل؟ وهل سقط فقه الاستضعاف بعد الانسحاب؟ ألم يلاحظ الجيش، في ضوء هذه الانسحابات والقراءات والمبررات أنه كان يغامر، بلا مبرر، ببقائه في الجبهة؟ وأنه غامر بمصداقيته أكثر؟ حتى بعد انسحابه العليائي؟

• لنعد إلى المبرر الثاني في تحالفات الجيش وهو: "الحرص على تكثيف العمليات العسكرية ضد العدو المحتل وأعوانه". فقد ثبت بالقطع سقوطه تباعا. إذ أن الإحصائيات تؤكد أن عدد قتلى القوات الأمريكية تراجع بشكل غير مسبوق منذ تشكيل الجبهة وحتى انسحاب الجيش، والجدول التالي لا يحتاج إلى تعليق ابتداء من شهر حزيران/ يونيو2007 وحتى تموز / يوليو الجاري 2008:

قتلى الجنود الأمريكيين بحسب الشهر والسنة / المصدر http://icasualties.org/oif/




أما فيما يتصل بأعوان الاحتلال فلسنا ندري بالضبط من هو المقصود بذلك. هل هم قوات الحكومة وشرطتها؟ أم هم الميليشيات الرافضية مثل جيش المهدي وقوات بدر؟ أم هم العملاء والخونة؟ أم هم رجال الصحوات ومجالس الإسناد والإنقاذ؟ فإن كان "المرتدون" من أهل السنة فلم يكشف "التمايز" عن الحكم الشرعي بحقهم، لكن أغرب ما خفي في هذا السياق قد يجيب على سبب هذا الغياب، فـ: "التمايز" تحدث عن منافقين، وعمن "وقعوا" في الردة، وتساءل، مستنكرا، عمن يتحمل أوزار الجموع، لكنه لم يتحدث عن مرتدين ولا عن أية فئة يجب قتالها. وغلى هنا فلنسأل سؤالا بسيطا: هل ثمة ما يبرر "قتال القاعدة"؟ وهل ثمة مصلحة شرعية في ذلك؟ بينما قتال أهل "الردة" أو من و"وقعوا فيها" يترتب عليه مفسدة؟ وهل "أهل الردة" أولى بالنصح من "أهل الغلو"؟

ثالثا: بعض القيادة؟ أم اغلب الجماعات؟ ما الفرق؟

• يتحدث "التمايز" عن انحراف "أغلب" أفراد الجماعات. والمدقق في العبارة لا بد وأنه توقف عندها مستفسرا عن ماهيتها. وبدون إطالة فالجبهة، بعد انسحاب جيش الفاتحين منها، ظلت تحتضن كل من الجيش الإسلامي وجيش المجاهدين والهيئة الشرعية لأنصار السنة بقطع النظر عن حجمها وملابسات انضمامها. وإذا تحدثنا بصيغة المجلس السياسي للمقاومة يمكن ضم جماعتي حماس العراق وجامع. وصيغة "البعض" التي استعملها النص بكثرة ليست محددة على وجه الدقة إلا إذا اعتبرنا كل الجماعات هي المقصودة ما عدا جيش المجاهدين. وبالتأكيد لم يكن الجيش مقصودا بما أنه، وبشكل مبكر من "التمايز"، قد نأى بنفسه عن ارتكاب أي من المنكرات سواء تعلق الأمر بالصحوات أو الهدنة. وهذا يعني أنه أيا كانت المنكرات فليس للجيش يد فيها لا من قريب ولا من بعيد. لكن أليست هذه صيغة فجة من تنزيه الذات؟ ألم يسع الجيش ما وسع الفرقان والفاتحين؟ بل ألم يسعه الاعتراف ولو بخطأ واحد كما فعل جيش الفاتحين الذي انضم للجبهة رغم ما سيتعرض له من نقد وانسحب منها وهو راض بما سيقال عنه؟ لا شك أن الوقوع بالخطأ ليس بخطأ، لكنه يظل خطأ طالما أنه يعبر عن وضعية غير صحيحة بقطع النظر عن هوية المتسبب بها. ففي أي سياق يمكن قراءة موقف الجيش هذا، وكأن ما حصل من كوارث لا علاقة له بها حتى لو لم يكن الجيش متورطا بأي من المنكرات؟ أهو منطق العصمة الجديد؟ أم هو منطق "الغلو"؟ أم هي "العزة بالإثم"؟

• في التصنيفات الثلاثة للمجاهدين وصف "التمايز" الصنف الأول بـ: "المجاهدين الثابتين" والثاني بأنهم: "كانوا مجاهدين"، والثالث بـ: "الذين ارتدوا". وطبيعي أن لا خلاف على توصيف الصنف الأول، لكن كم هو حجمه إذا كان الثاني هو الشائع والثالث قليل؟ أما وجه الالتباس فواضح في عموم اللفظ وخصوصه. ففي أحد المواضع يقول "التمايز": "أن أغلب فصائل المجلس انحرف كثير من أفرادها وخرموا بعض الثوابت الشرعية"، وفي موضع آخر من أحد الهوامش يعلق "التمايز" على قلة من "وقعوا في الردة" فيقول: "قيل إنهم كثر لكنَّ هذا لم يثبت عندنا بوسائل الإثبات الشرعية". فما المقصود بالانحراف وخرم الثوابت الشرعية؟ وهل هذا التوصيف ينطبق على من وقعوا في الردة؟

• لوحظ في "التمايز" تكرار عبارة "بعض القيادات" في أكثر من صيغة كلما جرى الحديث عن مسؤولية القيادة عن المنكرات. ويقول الجيش أنه حذر القيادة من "بعض القيادات" مرارا وتكرار، وفي كل مرة كان يتلقى تبريرات مختلفة مثل: "أعطونا فرصة، هؤلاء أفراد ..." إلى أن: "فوجئنا بأن ما قيل لنا لم يكن إلا مناورة علينا وعلى من تدّخل بيننا، ولم تكن عهودهم التي عاهدوا بها إلا عهودًا للتسكيت والتمرير !". فمن هو الذي يناور؟ قلّة؟ أم كثرة؟ وهل هو نهج؟ أم اختراق؟ فـ "التمايز" يتحدث صراحة عن قيادات "تسرح وتمرح في المنطقة الخضراء"، وأخرى "في غرفة القيادة الرئيسية"، وأن الخلاف مع القيادة كان على خلفية: "هدنة بعضكم مع العدو، ودخول كثير منكم مجالس الصحوات"، وعلى امتداد "التمايز" تكررت العبارة التالية: " المنافقين الذين تخلَّلوا صفوفهم" وأن: "أمر العلاقات أخذ أبعادًا ما بين بعض قياداتكم والصليبيين".


لكن في معرض التعليق على بيان المجلس السياسي ورد في "التمايز" هذا القَسَم: "والله إنا نربأ بقادة وأفراد المجلس السياسي ومنتسبيه أن يسكتوا على المفاوضات مع الصليبيين المحتلين التي أفرزت صحوات النفاق، ويسكتوا على مشاركة بعضهم للصليبيين في مقاتلة أهل الإسلام من أهل الغلو، ويسكتوا على من سلك هذا الخط، ويسكتوا على الانحدار في هذا المهوى وهم لا يشعرون". فإذا كان الجيش، بنص "التمايز"، وفي أكثر من موضع إشارة" قد عجِب لقيادة لم تتبرأ من هؤلاء! وراوغت في فصلهم، بل: "أن المفاوضات والهدنة مع الصليبيين في بعض المناطق لم تكن مجرد اجتهادات فردية بل هي ما ارتضته بعض تلك القيادات" فأي قيادة يجري تنزيهها من قبل الجيش؟ ومن هي القيادة المقصودة بالضبط؟ وما هو حالها؟ وكيف يتحول الكثير من عناصرها إلى صحوات؟ ومن هو صاحب القرار في المجلس؟ ومن هم الذين لهم سعة في التنازلات منفردين؟ وسعة في المشاركة في الصحوات منفردين؟ وسعة في الهدنة منفردين؟

نشر بتاريخ 01-03-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 2.45/10 (1138 صوت)


 

القائمة الرئيسية





إصدارات المراقب

أوقات الصلاة
استعلم عن مدينة اُخرى

القائمة البريدية

التقويم الهجري
12
ربيع أول
1433 هـ

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.almoraqeb.net - All rights reserved

: عدد الزوار

 

Development by :  شــآم

 


المقالات | المكتبة | الرئيسية