الصومال أرض المشاع الدولي
نفاق بمواصفات قانونية
(2)
د. أكرم حجازي
26/11/2008
لعل أطرف ما في مشكلة القرصنة والقراصنة هو التحرك العجيب لمجلس الأمن الدولي والدول الأوروبية. والأعجب أن يصف قائد بحري بريطاني كبير بأن محاولة التصدي للقراصنة حقل ألغام قانوني!!! وآخر يزيد فيقول: إن المشكلة معقدة من الناحية القانونية! لكن إذا كانت المشكلة على هذا النحو من التعقيد فلماذا يجتمع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي في بودابست ويرسلون سفنهم الحربية إلى المنطقة؟ ولماذا تتسابق الدول الأوروبية بالذات إلى مجلس الأمن وتقدم المشروع تلو المشروع؟ وهل يعقل أن يتجند المجلس وتستنفر كل هذه الأساطيل من أجل بضعة مئات من القراصنة؟ ثم تصدر مشاريع القرارات بسرعة البرق ولا يصدر واحد منها بحق مناطق الصيد البشري في غزة أو العراق أو أفغانستان؟
أولا: قرارات مشبوهة
من جهته أصدر مجلس الأمن ثلاثة قرارات بخصوص القرصنة قبالة السواحل الصومالية هي: (1814-١٥ أيار/ مايو ٢٠٠٨، 1816- ٢ حزيران/ يونيه ٢008، 1838- ٧ تشرين الأول/ أكتوبر٢٠٠٨)، وجميعها صدرت بموجب الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة الذي يتيح استخدام القوة في القضايا التي يرى مجلس الأمن أنها تهدد السلم والأمن الدوليين. وبعد ديباجة من ثلاثة صفحات تقدمت القرار 1814 لم يتطرق للقرصنة إلا في موضع يتيم وردت في البند 11 من أصل عشرين بندا تضمنها، ويقتصر على الدعوة إلى: حماية القوافل البحرية لبرنامج الأغذية العالمي ومطالبة الحكومة الاتحادية الانتقالية اتخاذ: إجراءات لحماية السفن المشاركة في نقل وإيصال المساعدات الإنسانية إلى الصومال والأنشطة التي تأذن ﺑﻬا الأمم المتحدة. لكن رغم شجبه وإدانته لأعمال القرصنة واستيائه تجاه ما أسماه بـ: الحوادث الأخيرة ( بحسب قرار 1838) إلا أنه ما من قرار واحد منها قدم توصيفا يحدد مسؤولية القراصنة هل هم مجرمون أو معتدون أو إرهابيون …إلخ، واكتفى القرار 1838 بـ: التحقيق في أمر الأشخاص المسؤولين عن أعمال القرصنة والسطو المسلح قبالة سواحل الصومال، ومقاضاﺗﻬم، وفقا للقانون الدولي المنطبق، بما في ذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان! أما تصاعد حوادث القرصنة والسطو المسلح فهي مجرد ممارسات تؤدي إلى تفاقم الوضع في الصومال ولا بأس من التذكير باعتبارها: خطرا على السلم والأمن الدوليين في المنطقة.
لا شك أن القرار 1838 هو الأكثر تفصيلا بخصوص أعمال القرصنة، فهو يؤكد على ما ورد في القرار السابق 1816 بخصوص طلب الإذن من الحكومة الصومالية بالسماح للسفن الحربية باجتياز المياه الإقليمية لمكافحة القرصنة، والأهم أنه يدعوا إلى: نشر سفن حربية وطائرات عسكرية، وفقا للقانون الدولي كما هو مقرر في اتفاقية البحار، وحين: يهيب بالدول التي تعمل سفنها الحربية وطائراﺗﻬا العسكرية في أعالي البحار وفي اﻟﻤﺠال الجوي قبالة سواحل الصومال أن تستخدم … جميع الوسائل اللازمة؛ فهو يقرر ذلك فقط: من أجل قمع أعمال القرصنة!
الحق يقال أنها قرارات منصفة وذات طابع قانوني فعلا، فرغم صدورها على قاعدة البند السابع إلا أنها ليست عدوانية ولا حتى هجومية بلا ضوابط. ولسنا بهذا الصدد معنيين بضرب القراصنة أو لا، لكننا معنيين بالتساؤل عن مفارقات عجيبة في التعامل مع قضية تهدد الملاحة الدولية ولا تستطيع القوى البحرية التعامل معها بينما تستطيع ذات القوى مهاجمة دول واحتلالها دون صدور نص واحد عن أية هيئة دولية، بل وممارسة القتل على أوسع نطاق. إننا نعجب حقا كيف لا تصدر مثل هذه القرارات مثلا في حق فلسطين وأفغانستان والعراق وغيرهما من مناطق الظلم والقهر الدوليين!؟ وأيهما أولى بالرأفة والإنصاف والقرارات الناعمة؟ القراصنة الذين ينتزعون حقوقهم بأيديهم؟ أم المحاصرون الذين يموتون جوعا ويقتلون ويطاردون في كل وقت ومكان وعلى مدار الزمن؟
أيا كانت صفة القراصنة في القوانين الدولية أو المحلية فإن عمليات الخطف والسطو المسلح والمطالبة بفدية نشاطات تنطوي على تهديد للحياة، وهي بموجب قوانين القرن التاسع عشر خروج عن القانون، ومع ذلك فإن أية هيئة دولية قانونية لم تجرِّم القراصنة، فبأية معايير يجري تجريم اللصوص على المصارف والبنوك في دول العالم؟ وبأية معايير يجري تجريم قراصنة الجو؟ وماذا لو اختطف أحد ما طائرة ركاب مدنية وطالب بفدية؛ فهل سيدفعون له كما يدفعون للقراصنة؟ وبأية معايير تشن الولايات المتحدة وحلفائها الحروب على الدول واحتلالها وتقتيل سكانها؟ وبأية معايير يحاصَر سكان غزة ويُمنعوا من أسباب البقاء؟ وبأية معايير تحتجز الولايات المتحدة سجناء غوانتانامو ووضعهم في أقفاص حديدية وسجون ظلام صاخبة حتى أنها أخرجتهم من كونهم كائنات حية؟ وما هي المعايير التي تجيز عمليات الخطف الأمني؟ وما هي المعايير التي تجرم شخص لمجرد آرائه وتجبره على الرحيل أو تحاكمه بموجب قوانين محاكم التفتيش الإسبانية؟ أين حقوق القراصنة من حقوق د. هاني السباعي وعائلته المنكوبة المهددة بالترحيل كنموذج للظلم الدولي الذي يقيس بألف معيار ومعيار؟
ثانيا: التواطؤ الدولي
الحقيقة أن التوزيع التاريخي للمشاع غالبا ما كان ينطوي على خبث وتلاعب من القائمين على عملية التوزيع التي يقع ضحيتها في الغالب فقراء الفلاحين، وما يجري حاليا، حتى على المستوى القانوني، يشبه بالضبط ما يجري في نظام المشاع القروي. ومن الواضح أنه ثمة تمييع قانوني كبير له عشرات الأسباب.
ففي أعقاب اختطاف ناقلة النفط السعودية أجرت صحيفة الشرق الوسط (21/11/2008) مقابلة هاتفية مع أحد القراصنة سمى نفسه جامع آدم قال فيها أن: لنا دول تعطينا معلومات عن السفن في البحر، وإذا في سفن تجارية أو مبحرة في طريقنا، وأن الدول المعنية هي: اليمن وإريتريا وكينيا وجنوب أفريقيا. مشيرا إلى أن للقراصنة شركاء لا دخل لهم بالأموال: يزودوننا بالمعلومات فقط، وهم موزعين على أكثر من بلد عربي وأفريقي وآسيوي … في كينيا وسيريلانكا واليمن ودبي، والطريف في تصريحات القرصان آدم أنه: قلل من مخاطر تعرض القراصنة للهجوم من قبل الأساطيل الحربية التابعة لكثير من الدول في المنطقة من بينها حلف الناتو والولايات المتحدة الأميركية وروسيا، موضحا أن تلك الأساطيل الحربية قريبة منهم يشاهدونها، وفي لفتة أخرى: يبادلونهم التحية!
مع أننا لا نستطيع الركون إليها كثيرا، إلا أن هذه الشهادة تكشف عن تواطؤ دولي تجاه أعمال القرصنة وحتى تجاه القراصنة أنفسهم تدعمه رخاوة القرارات الدولية من جهة وتطبيقاتها من جهة أخرى. فالأولى جرى تقييدها بالقانون الدولي العائد لاتفاقية البحار، ولهذا صدر القرار وأرسلت السفن ولم يكن بيد القوات البحرية أية قواعد اشتباك يسترشدون بها لدى مواجهتهم للقراصنة، وبالتأكيد ليس هذا من قبيل الصدفة أو القصور في القرارات الصادرة. إذ في مرحلة ما صدر القرار 1816 مشروطا بإذن من الحكومة الصومالية الفاقدة لأية شرعية أو نفوذ على الأرض لقمع أعمال القرصنة. ثم قيل في مراحل لاحقة أن المشكلة بالغة التعقيد، وبشر محللون غربيون، من جهتهم، أنها مرشحة للتفاقم بما هو أسوأ من الوضع الحالي. أما عن القراصنة فهم ليسوا إرهابيين، لأن اعتبارهم كذلك ستكون له تداعيات قانونية على عملائهم الذين يتعاملون معهم، منها ملاحقة مالكي السفن وفتح قضايا قانونية طويلة عريضة مع العديد من القوى والشركات المتورطة وكذلك مع الدول الأم بوصفها المسؤولة عن تصرفات رعاياها. فكيف سيكون الوضع خاصة مع إسبانيا وفرنسا الدولتين الأكثر تورطا في النهب؟ ناهيك عن الدول الآسيوية الأخرى وحتى العربية؟ لذا فإن مجلس الأمن لم يكن مطلوبا منه توصيف القراصنة بالإرهابيين كون الشركات تتعامل معهم كقراصنة، وإنْ دفعوا لهم كإرهابيين فهذا يعني أنهم يشجعون الإرهاب ويتعاملون معه، مما يضعهم تحت طائلة المسؤولية القانونية ولو من باب الابتزاز السياسي. فلكل شيء ثمنه ولو بعد حين، كما سيعني تفعيل البند السابع الذي صيغت بموجبه القرارات الثلاثة ليطال كافة الأطراف المتورطة وهو ما ليس مطلوبا أصلا. فإذا لم يكن ثمة جدوى من التدخل العسكري والقانوني فما هي الغاية إذن من تصدير هذه القرارات؟
لا ريب أن المصالح هي من يفسر هذا النفاق الدولي. فالدول المستفيدة من الوضع الحالي للبلاد لا ترى مبررا لتصعيد الوضع بحيث تنفضح قصة النهب العالمي وتفقد الدول الغربية غنيمة المشاع ويتورط الجميع. ولو تتبعنا المسألة أكثر سنلاحظ أن أغلب السفن المخطوفة تكتفي بدفع الفدية على أن تخوض مواجهات مع القراصنة، ذلك أن الفدية تبقى مبلغا رمزيا لقاء ما تجنيه من أرباح فلماذا تفرِّط بمنطقة استثمار مجاني؟ بل حين نتتبع الغالبية الساحقة من التصريحات التي أعقبت الإفراج عن السفن سنجد أن أصحابها حين يُسألون عن دفع فدية للقراصنة يلوذون بالصمت، فلا يجيبون سلبا ولا إيجابا وهذا إقرار ضمني بمشروعية القرصنة وتبعاتها، والكل بهذا المعنى قراصنة.
هكذا يبدو الجميع قانعا بقواعد اللعبة، أما مبرر الفزع الدولي فربما يكمن فقط، إذا أحسنا الظن بهم، في ارتفاع سقف المطالب عند القراصنة بموجب تطور وسائلهم وخبرتهم وتسلل أطراف دولية (مسؤولين، عصابات، وحتى شركات تأمين …) استطاعت اختراق دائرة الغنائم وجني بعض الأرباح، وهذا مؤشر على أن قواعد اللعبة تغيرت من جانب واحد. وفي السياق تبدو المعطيات متضاربة لكنها تؤشر على خفايا كبيرة، فالمكتب البحري الدولي في لندن شاتام هاوس يقدر الأرباح ما بين 18 - 30 مليون دولار، لكن وزير الخارجية الكيني يتحدث عن 150 مليون دولار حققها القراصنة في اثني عشر شهرا من نشاطهم، ومع ذلك لم تصل المشكلة مع القراصنة إلى حد الاستئصال كظاهرة بقدر ما يبدو أن التوجهات تسير باتجاه تنميتها إن لم يكن تقنينها بصيغة اتفاق عرفي يأخذ بعين الاعتبار العناصر المستجدة على قواعد اللعبة. ففيما خلا بعض العمليات التي أدت إلى مقتل بعض القراصنة كما حصل في حادثة تدخل البارجة الهندية فالبقية ممن تعتقلهم القوات الأجنبية يجري تسليمهم لأثيوبيا أو كينيا أو الحكومة الصومالية حين اعتقالهم وفق ضمانات من الحكومات بعدم الإساءة إليهم وتمكينهم من محاكمات عادلة؟ فمن الذي من مصلحته تأمين المنطقة إذا كانت الدول الكبرى هي نفسها راعية الجريمة؟ وهل تأمين الملاحة الدولية يخرج عن نطاق حماية المصالح في منطقة باتت القوى الدولية تتعامل معها وكأنها حقا من حقوقها؟ فهل حقا تسعى القوى الدولية ومؤسساتها القانونية إلى ترميم الوضع الصومالي؟ لكن هل الدول العربية بريئة مما يجري؟ لنرى!
ثالثا: تخريب الصومال
تشبه وضعية الصومال منذ سنة 1991 وضعية المشاع القروي بأدق تفاصيله. وهو أسلوب قديم في الانتفاع بالأرض ما زال معمولا به في كثير من المناطق الريفية. ويتعلق بالأراضي ذات الملكية المشتركة بين سكان القرية، حيث يجري توزيعه على الفلاحين بموجب معايير متفق عليها بين السكان، تستقر مع مرور الزمن لتغدو شبه قوانين ملزمة. وليس لدينا أدنى شك أن الدول الغربية هي من صاغ هذه الحالة للصومال كمقدمة لصناعة نموذج يمكن تعميمه على الدول التي تشهد فسادا ضاربا في الأرض. ولعل الفساد في اليمن والسودان ضرب المجتمع والدولة على السواء مما يجعلهما أكثر البلدان العربية المرشحة لهذا النمط من الأنظمة المستحدثة في مراحل لاحقة، على أن يمتد إلى دول أخرى ليست السعودية ومصر بمنأى عنه. لنرى كيف تمت صياغة النموذج في الصومال.
فمنذ انهيار نظام سياد بري بدأت البلاد تتفكك سكانيا وتتفتت جغرافيا وتستباح في ثرواتها ومواردها تدريجيا حتى وصلت إلى مرحلة القرصنة. وحين وصلت المحاكم الإسلامية إلى الحكم استطاعت عبر جناحها العسكري السيطرة على البلاد وضبط الأمن وسط شعبية جارفة حتى على مستوى الشعوب العربية التي استبشرت خيرا. لكن الوضع لم يرق للدول الكبرى وخاصة للولايات المتحدة التي عاجلت الاستقرار في الصومال بالفوضى والدمار عبر حرب الوكالة التي خاضتها أثيوبيا بالنيابة. فلو كانت الدول الكبرى وحتى الإقليمية والعربية جادة في المحافظة على الصومال لتركت المحاكم في السلطة ولما أسقطتها. فبأي حق أو مبرر أو منطق تسعى الولايات المتحدة الآن إلى تمكين المحاكم عبر التفاهم على تقاسم السلطة مع الحكومة الصومالية؟
ليس هذا فحسب؛ فلأن المشاع الصومالي بات ملكية مشتركة لها فقد منعت أي استقرار فيه لدرجة أنها حالت حتى الآن دون تمكين حكومة الرئيس عبد الله عيسى من تحقيق أي إنجاز رغم كل ما قدمته من خدمات وولاء مطلق للغرب والاحتلال الأثيوبي، وحتى لو كانت الولايات المتحدة جادة في تأييد الحكومة ودعمها لما كان معظم أعضائها ورجال برلمانها عبارة عن كومة من الفاسدين والمفسدين ممن يوالون أثيوبيا والغرب أكثر من ولائهم لأوطانهم أو حتى لقبائلهم. وليس صحيحا أن الولايات المتحدة تراهن على هؤلاء في استقرار البلاد بقدر ما تراهن عليهم في إشاعة الفساد والفوضى والدمار. فهي إذن لا تحتاج لرضى هؤلاء عنها، ولا تنتظر منهم أن يروجوا للرأسمالية وقيمها وهم أبعد الناس عن أية قيمة أو مبدأ. فما الذي يمكن أن يقدمه أمراء الحرب وزعاماتها ومافيا اللصوصية والمصالح الشخصية وتجار السلاح والدم للصومال وأهله؟
الحقيقة أن كل المؤشرات تؤكد أن القوى الدولية ماضية في تفتيت البلاد، وماضية في محاربة أية قوة تسعى إلى ضبط الوضع وعلى رأسها الجماعات الجهادية في الصومال لا سيما حركة الشباب المجاهدين الجماعة الأقوى على الأرض. وليس صحيحا ولا منطقيا المراهنة على المحاكم كطرف مقبول أمريكيا وعربيا في تولي السلطة لأن هذا، لو حصل جدلا، فسيعني خضوع البلاد والسواحل للسيطرة وهو ما يفسد رغبة الغرب وتطلعاته للصومال خاصة والمنطقة عامة فضلا عن أن جناح جيبوتي بزعامة شيخ شريف أحمد ليست له تلك الشرعية أو الشعبية أو القوة التي يتمتع بها جناح أسمرة بزعامة طاهر أويس والذي اعتبر ناطقه الرسمي القرصنة صناعة أمريكية. ترى! هل الموقف العربي أفضل من مثيله الغربي؟