
... إذن
المراقب
هو موقعنا الجديد الذي نطل به على النخبة المثقفة وطلبة علم الاجتماع والكتاب
والصحفيين والمراقبين والراصدين للتوقف عند أميز الظواهر الاجتماعية والجهادية في
عالمنا الإسلامي وكذا الأحداث الكبرى ذات الصلة.
حين بدأنا تجربة التدوين، منتصف العام 2005، لم يكن ببالنا إلا متابعة
الشأن الفلسطيني والظواهر الاجتماعية الطارئة. لكن بحكم التخصص في الحركات
الوطنية والجماعات الإسلامية وجدنا أنفسنا معنيين بظاهرة الجهاد العالمي أو ما
يطلق عليه إعلاميا تيارات "السلفية الجهادية".
هذه الظاهرة علمتنا أن التوصيف كمنهج في التصدي للظواهر الاجتماعية عملية
معقدة، وأننا في العالم العربي قلما نجيد التوصيف، وإن فعلنا فلا نحتمله ولا
نتقبل حقائقه لا لشيء إلا لأننا غارقون حتى ناصيتنا في الأيديولوجيات والأجندات
والثقافات الوافدة والعصبيات السياسية والحزبية والقبلية، بحيث لم يعد ثمة فرق
جوهري بين عالم وجاهل، موالي ومعارض، وطني وإسلامي، مؤمن وملحد ، كلنا نفكر ونقرر
ونأكل ونجوع ونغضب ونرضى بموجب سيمفونية واحدة تعج بالتناقضات والظلم والهوى ليس
للعقلانية فيها أي حضور ولا هي تعبر عن مبدأ أو عقيدة. وهكذا فكما أننا لا نتقبل
بعضنا في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة فمن البديهي ألا نتقبل الدراسة
والبحث، ويبدو أننا لم نعتد بعد على دراسات إلا إن كانت على هوانا.
علمتنا التجربة أيضا أن الحقيقة ليست محايدة في الكثير من الظواهر والأحداث،
بل أنها في ظواهر كالسلفية الجهادية غالبا ما تحظى بترقية إلى أن تصير تهمة تتضمن
توصيفات جنائية سواء في القانون أو الشريعة أو السياسة أو الإعلام وحتى الاجتماع
بحيث تستحق التجاهل والتحريض والإسقاط وصولا إلى التجريم والإدانة!
وبقطع النظر عن أية مواقف مسبقة تجاهها فالسلفية الجهادية ليست ظاهرة عابرة
كما يحاول الكثير تصويرها وتقديمها للعالم؛ بل هي أطروحة شمولية جذرية عنيدة
وصلبة شأنها شأن كافة الأطروحات الشمولية في التاريخ الإنساني. ولا يخفى على
المثقفين أن هذا النوع من الأطروحات لا يتقبل المداهنة أو أنصاف الحلول بقدر ما
يسعى إلى إزاحة الأطروحات المنافسة حتى لو اقتضى الأمر استخدام القوة. هذا ما
فعلته الماركسية في مواجهة الليبيرالية أو العكس وهو ما تفعله السلفية الجهادية
ضد كافة الأطروحات والعقائد الدنيوية والفلسفات الوضعية.
هذا التوصيف يدركه الغرب إلى حد كبير، ويتعامل مع السلفية الجهادية باعتبارها
خصم يهدد نفوذه وحضارته ومنظومة العلاقات الدولية برمتها، وعلى هذا الأساس يتعامل
معه باستخدام القوة العسكرية والأمنية مستعينا بجيوش من الخبراء ومراكز الأبحاث
والعلماء أملا في هزيمته. لكن ما لا يدركه الغرب، في الصميم، ولا الخصوم المحليين
للظاهرة أنه من المستحيل فهم الأطروحة السلفية الجهادية وتوصيفها خارج نطاق
مصادرها المعرفية وهي القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه والإجماع. وفي هذا
السياق ليس مهما أن تصيب السلفية أو تخطئ بل من المهم التأكيد على أنه من غير
المجدي تحليل الخطاب العام لها واستخراج مضامينه أو مراقبة أدائها استنادا إلى
مصادر أخرى لا تعترف بها أصلا. فما الفائدة مثلا من توصيفات ترى في السلفية جماعة
خارجة عن القانون؟ أو إرهابية؟ أو متطرفة؟ وما الفائدة من توصيفها بـ "الفئة
الضالة" أو "الخوارج" أو "أهل الغلو" بينما هي تتمدد اجتماعيا
وعسكريا؟
حقا! لم يكذب عالم الاجتماع الفرنسي ألن تورين حين رأى أننا أصحاب تاريخية
اجتماعية ضعيفة تحركها القيم والأيديولوجيات والمصالح والامتيازات وليس العقل،
رغم أننا نفاخر، زورا أو جهلا في كل حين، بكوننا أمة إقرأ، ورغم أن عشرات الآيات
في القرآن تحثنا على التعقل والتفكر والتدبر والنظر. وهذه الوضعية تجعل منا
مجتمعين، في هذه اللحظة من الزمن، كما لو أننا أمة طارئة أو أننا قطعا في مرحلة
انتقالية حيث لا طموح ولا هدف ولا مرجعية توحدنا أو توجه سلوكنا، بعكس الغرب الذي
نجح في محاربتنا وإخضاعنا وقتل طموحاتنا والسيطرة علينا وغزونا ليس لأن دراساته
كانت على هوى حكوماته وأحزابه ومنظماته بل لأن له مرجعياته الواضحة ولأنه راهن
على العلم ولأن لديه طموح وهدف محددين ولأنه يعترف بالحقيقة حتى وإنْ كانت مؤلمة.
إننا في
المراقب
سنكون، قطعا، في صف الأمة وطموحاتها وتطلعاتها وإلى جانب أحرارها ومستضعفيها وليس
في صف أعدائها لكننا لسنا معنيين بالانحياز لهذه الجماعة أو تلك، أما تركيزنا على
التيارات الجهادية العالمية فلأن الظاهرة، ودون أن ينتقص ذلك، علميا، من تاريخ
وحقيقة التيارات الأخرى، هي الأشد فرادة في عصرنا مقارنة بما سبق.
لذا فإننا ندعو كل باحث ومتخصص وقارئ إلى دراسة الظواهر بحسب ما تفرضه من
معطيات معرفية كما هي. فالتشخيص الدقيق للظاهرة، بموجب لغتها، من شأنه أن يقدم
لنا جملة المفاهيم والمصطلحات التي تميزها ويعرض لنا صورة أمينة عن خط سيرها
ويمكننا من الإحاطة بأبرز أطروحاتها. وفي السياق نقول رغم أننا قضينا السنوات
الثلاثة السابقة في قراءات واسعة النطاق ومرهقة للغاية إلا أننا ما زلنا في مرحلة
التوصيف. إذ أن الظاهرة ما زالت على المستوى العلمي والمنهجي بكرا والكتابة فيها
دون حصانة معرفية لا يعدو أن يكون تطفلا فحذار من المغامرات العلمية غير
المحسوبة.
أخيرا
سنسعى لِأنْ يكون
المراقب
منبرا مميزا لدراسات أو مقالات في شتى التخصصات خاصة في العلوم الشرعية وعلم
الاجتماع ونظرياته وما يتصل بالأزمة الاقتصادية العالمية. وإذ نتأمل، إيجابا، في
تفاعل القراء والمتخصصين والنخبة المثقفة معنا بالشروط المنهجية التي نتبناها
فإننا نؤكد بأننا غير ملزمين بأية أطروحة فلسفية أو أيديولوجية أو حزبية أو
تنظيمية أو سياسية حتى وإنْ كنا نتفهمها علميا.
والله ولي التوفيق
..........................................................................................
............ المراقب
آذار / مارس
2009